طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 09 محرم 1430هـ - 06 يناير 2009م

بعدما تقطعت بهم سبل النجاة

الفلسطينيون يفترشون طرقات غزة بحثا عن مأوى من القصف

تجلسان أمام إحدى مدارس "الأونروا"
تجلسان أمام إحدى مدارس "الأونروا"
 

غزة- د ب أ

تقطعت السبل بالمواطن الفلسطيني أبو رفيق محمد نعيم وعائلته المكونة من 9 أفراد، بعد أن أجبره التوغل البري والقصف المدفعي الكثيف للجيش الإسرائيلي في محيط منزله الواقع على الشريط الحدودي لبلدة بيت حانون شمال قطاع غزة على الرحيل.

ولم يجد نعيم، وهو في الخمسينيات من عمره، سوى عربة يجرها حمار للرحيل مع عائلته في محاولة للهرب من وابل القذائف المدفعية ليصل إلى مدينة غزة، وعلامات التهجير تخيم على ملامحه لعدم حصوله على مأوى آمن من القصف المتواصل على كافة أنحاء القطاع.

وبالمثل، جمع أبو مصعب الزوارعة ما تبقى من أغراض منزله في منطقة جحر الديك، الواقعة إلي الجنوب الشرقي من مدينة غزة، لينتقل إلى منزل أحد أقاربه بعد أن دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية المنزل الواقع بالقرب من منزله.

واضطرت مئات العائلات الفلسطينية إلى الهرب واللجوء لأقاربها وأصدقائها، لكن الأمر نفسه لا يوفر الحماية لهم لأن قطاع غزة كله يتعرض لغارات الطائرات الحربية الإسرائيلية.

وقال أبو مصعب "اضطررت إلى الرحيل من منزلي المكون من ثلاثة طوابق وأسرتي معي خوفا من استهداف منزلنا الذي تعبنا كثيرا حتى قمنا ببنائه". وأضاف "ألقى الجيش الإسرائيلي منشورات علينا تطالبنا بإخلاء المنازل فورا، حيث قمنا على الفور بتركها والهروب بأطفالنا الصغار إلي أحد أقاربنا في مخيم النصيرات".

وقام الطيران الحربي الإسرائيلي منذ بداية العمليات العسكرية على قطاع غزة بإلقاء منشورات على أهالي قطاع غزة لاسيما المناطق الحدودية تطالبهم بتسهيل مهمة الجيش والإبلاغ عن رجال المقاومة وأماكن إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل.

كما صعدت المدفعية الإسرائيلية من قصفها للعديد من الأماكن السكنية في المناطق الشرقية والشمالية للقطاع، وهو ما اعتبره مراقبون فلسطينيون مقدمة لبدء تقدم الدبابات الإسرائيلية إلى قلب المدينة، بعد أن حاصرتها عن باقي أجزاء القطاع.

وقالت زوجة أبو مصعب، وهي تبكي وتتحدث بصوت ملهوف "أرعبوا وأرهبوا أطفالي.. لقد زرعوا الخوف فيهم.. لا مكان آمن في قطاع غزة رغم أنني أتيت إلى بيت أحد أقارب زوجي إلا أنه غير آمن لأن الطائرات الإسرائيلية تقصف كل شيء في قطاع غزة". وأضافت "تركت كل شيء في بيتي.. رحلنا فقط بأرواحنا.. لم آخذ حتى ملابس لأطفالي".

وفي منطقة تل الزعتر شمال قطاع غزة والواقعة على مشارف بلدة جباليا، هرع الدكتور عبد القادر إبراهيم وزوجته وأولاده برفقة عائلته بعد أن اقتربت القذائف من منزله في الشارع المقابل.

عودة للأعلى

تهجير جديد

وشوهد المئات من الفلسطينيين يحملون أمتعتهم ويسيرون على الأقدام في مشهد تهجيري من مناطق الاحتكاكات والقتال الدائر بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي.

وتواصل إسرائيل حربها النفسية ضد مواطني قطاع غزة، وذلك عبر الغارات الوهمية والفعلية التي باتت تستهدف كل شيء وذلك عن طريق الاتصال بسكانها ومطالبتهم بالمغادرة قبل وقوع القصف بدقائق معدودة. وتكشف معطيات إسرائيلية أن ضباط الجيش الإسرائيلي ورجال المخابرات اتصلوا بآلاف من أصحاب المنازل في غزة وطالبوهم بإخلائها، بسبب قربها من منازل قيادات حركة حماس أو قربها من المناطق الحدودية والتي من شأنها ان تتعرض للقصف.

وقالت أم أحمد (75 عاما) وهي من سكان منطقة الشوكة القريبة من الحدود: "رحلت عن منزلي الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية وهربت إلي الشارع ولكن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) قامت بتوفير مسكن لنا داخل مدارسها في رفح".

وأضافت "تذكرت الهجرة عام 1948 عندما كنت بنتا صغيرة لا يتجاوز عمري 14 عاما.. الاحتلال الإسرائيلي يمارس حرب إبادة ضدنا ويعمل على تهجيرنا من منازلنا". وتابعت "قصفوا المنزل وأصبحت الآن مشردة.. لا مكان لي ولا لأسرتي التي تضم 17 فردا.. لا أملك شيئا.. هربنا بأرواحنا خوفا من معاودة القصف".

من جهته، أكد أبو إبراهيم البنا (54 عاما) أن قطاع غزة كله بات هدفا للقوات الإسرائيلية ونيران مدافعه، "ولكن مع ذلك نحاول أن نختار مكانا آمنا لعلنا نشعر بالأمان". وبجوار البنا تجلس ابنته الصغيرة شيماء (8 سنوات)، وهي تتشبث بملابس أمها المسرعة في الهروب.

وقالت الأم "دوي الانفجارات في كل مكان.. قلوبنا تخرج من صدورنا وتعود من جديد بين أضلعنا"، مضيفة "أحاول أن أكون شجاعة أمام أطفالي فانهياري يعني انهيارهم".

وكان الجيش الإسرائيلي بدأ المرحلة الثانية من عمليته العسكرية على قطاع غزة مساء السبت الماضي بعد أسبوع من شن غارات جوية مكثفة وغير مسبوقة أسفرت عن مقتل أكثر من 500 فلسطيني وجرح أكثر من 2000 آخرين. وطالت العشرات من هذه الغارات مئات المباني السكنية في وسط وأطراف القطاع بينها منزل نعيم والغالبية العظمى من منازل أقارب له ما جعله عاجزا عن الحصول على مأوى. وهذا الأمر دفع نعيم، مع عائلته، إلى قضاء ساعات الليل في زوايا الطرقات وسط تصاعد القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي وهو يردد "لا مكان نذهب إليه.. إننا في الواقع نعيش نكبة أخرى بعد نصف قرن.. لا نعرف مصيرنا لكننا على الأقل لن نهاجر أبدا عن أرضنا".

وبموضع ليس ببعيد عن هذه العائلة، مكثت عائلة أخرى تعرض منزلها للقصف في بلدة بيت حانون وانتقلت إلى منزل أقارب لهم في غزة تعرضوا هم كذلك للقصف حتى "بدا أن القصف الإسرائيلي لن يتركهم وشأنهم أبدا".

وقال المستشار الإعلامي لـ"الأونروا" في غزة عدنان أبو حسنة إن وكالة الغوث فتحت خمس مدارس في القطاع لإيواء المواطنين المشردين نتيجة الأوضاع الإنسانية الصعبة واستمرار القصف على مناطق القطاع.

وأكد أبو حسنة لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أن الأونروا مستعدة لفتح مزيد من مدارسها إن اقتضت الحاجة ذلك، موضحا أن ثلاث مدارس تم فتحها لتتحول لبيوت للفلسطينيين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والآخرين في شمال القطاع.

عودة للأعلى

توسع المأساة

ومع إعلان مصادر طبية فلسطينية أن القوات الإسرائيلية قتلت وأصابت العشرات من الفلسطينيين في قطاع غزة، بدت رقعة المأساة في التوسع، فيما تراوحت الجهود الحثيثة التي تبذلها أطراف عربية ودولية لإيجاد مخرج لهذا الوضع مكانها.

وتأتي هذه العملية العسكرية لإسرائيل في قطاع غزة بعد أكثر من عام ونصف العام من الحصار المشدد على القطاع الذي يقطنه مليون ونصف المليون نسمة غالبيتهم من اللاجئين ويعتمدون على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة. وفي ظل هذه الظروف يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة في أوضاع إنسانية لا تقل سوءا وخطورة عن الأوضاع الأمنية الناجمة عن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية حسبما تقول تقارير عديدة ومؤسسات الأمم المتحدة.

وقال تقرير حديث للأمم المتحدة إن الوضع الإنساني في غزة يواجه أكثر من أزمة إنسانية وإن القطاع يواجه أزمة غذائية حقيقية فيما تواجه المستشفيات والعيادات الطبية انهيارا في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية. ويقول تقرير يومي للأمم المتحدة إن 80% من سكان غزة يعتمدون الآن على المساعدات الغذائية وإن هذه النسبة تتزايد باستمرار.

كما تقول المنظمات المعنية بالأغذية إن أقل من عشرين مخبزا تعمل الآن في القطاع بينما تؤكد تقارير أن أسعار الخبر تضاعفت ثلاث مرات في ظل قلة الدقيق، حيث يضطر الفلسطينيون إلى الانتظار لمدة تزيد على ثلاث ساعات أمام المخابز للحصول على الخبر وقد لا يحصلون عليه في النهاية.

أما عملية الحصول على الماء فهي أكثر صعوبة، ويقول الفلسطينيون إن الماء لا يكاد يصل للمنازل إلا ساعة إلى ساعتين كل 5 أيام. ويشكل انقطاع الكهرباء معضلة أخرى، ولكنها أكثر خطورة على المستشفيات التي يفاجأ فيها الأطباء بانقطاع التيار أثناء إجراء العمليات الجراحية للمصابين، كما يواجهون مشكلة نقص مواد التخدير اللازمة للعمليات الجراحية. وتقدر وكالات الأمم المتحدة الإنسانية أن نحو ألف جهاز طبي قد تعطلت نتيجة مشاكل انقطاع الكهرباء.

عودة للأعلى