طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
السبت 04 ذو الحجة 1430هـ - 21 نوفمبر 2009م

أوروبا تتواضع

 

ساطع نور الدين

هل بلغ المشروع الاوروبي ذروته وبدأ مسيرة انحداره، ام انه توصل الى تسوية موقتة تضمن مد عمره والبحث في تلك الاثناء عن فكرة جديدة او ربما عن عدو قديم.. على حدوده الشرقية مع العالم الاسلامي؟

المؤكد ان اختيار رئيس الوزراء البلجيكي هرمان فان رامبوي كأول رئيس للاتحاد الاوروبي لا يمثل قوة دفع لذلك الكيان الذي يختزل خلاصات تجارب سياسية وعلمية وثقافية مدوية انتجتها القارة العجوز طوال ستة قرون عندما حطمت كنائسها ومؤسساتها الدينية، وارست بنى علمانية ومدنية متجذرة: ان يخرج الرئيس الاوروبي الاول من واحدة من اصغر واضعف الدول الـ 27 الاعضاء في الاتحاد القوي، يعني ان احداً في اوروبا او في بقية انحاء العالم لن يأخذ المنصب الجديد الذي يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة على محمل الجد، ولن يقيم وزناً كبيراً للصوت الاوروبي الذي كان يفترض ان يصبح مسموعاً اكثر من ذي قبل، مع انكفاء اميركا على نفسها وعلى حروبها التي لا تنتهي، ومع انشغال روسيا بحقبتها الانتقالية التي لم تتوقف منذ خريف العام 1989.

اختير الرجل لأنه نجح فقط في اخراج بلجيكا في العام الماضي من واحدة من اسوأ ازماتها السياسية والعرقية، التي كادت تؤدي بالفعل الى تقسيمها الى اكثر من دولة، والى نقل مقر السلطة التنفيذية للاتحاد الاوروبي من عاصمتها بروكسل الى مدينة اوروبية اخرى تحفظ في الشكل على الاقل وحدة المشروع وتضمن استمراره.. وتعلن ان ذلك المشروع صار قادراً على مغادرة ذلك الموقع البلجيكي المحايد بين فيلة القارة القوية، وتحديداً بين الفرنسيين والالمان.

اختير الرئيس الجديد، بدلاً من ضائع يحمل الفكرة الاوروبية ويرسخها ويرتقي بها من الوحدة الاقتصادية والمالية المضطربة حالياً بفعل الازمة العالمية، الى الوحدة السياسية التي راودت بعض المؤسسين ومعظم الموقعين على معاهدة لشبونة الاوائل التي اقرت ايجاد المنصب الجديد. كما اختير بدلاً من منبوذ هو رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير الذي ورط بلاده وشجع بعض الدول الاوروبية على الانضمام الى حرب العراق والى بقية الحروب التي شنها مرشده السابق جورج بوش.. والذي لا يكن الكثير من الود، مثله مثل معظم البريطانيين، للمشروع الاوروبي برمته، ولا طبعاً لعملته الموحدة التي لم تستطع حتى الآن ان تخترق قلعة الجنيه الاسترليني.

لكن اللجوء الى مثل هذا المخرج البلجيكي، لا يهز فقط العصبية الاوروبية، لكنه ايضا يطرح السؤال عن المنافس او الخصم المفترض للاتحاد، الذي لا يمكن العثور عليه في روسيا، ولا يمكن ايجاده في اميركا التي يتراجع موقعها العالمي يوماً بعد يوم.. كما لا يمكن افتراضه في الصين التي ليس لديها حتى الآن اكثر من الطموحات التجارية المشروعة. في تاريخ الرئيس الاوروبي الجديد مواقف دولية مهادنة ومتواضعة جداً، لا يميزها سوى اعتراضه على انضمام تركيا الإسلامية الى النادي الاوروبي ذي القيم المسيحية، حسب تعبيره.

لأن اختياره كان صدفة. ولأن تركيا لم تعد تتوسّل الانضمام الى الاتحاد، لا يمكن الاستنتاج أن أوروبا قررت امتشاق السيوف الصليبية مرة أخرى.

*نقلا عن "السفير" اللبنانية

عودة للأعلى