طبـاعةحفـظارسالBookmark and Shareمشاركة
الأحد 05 ذو الحجة 1430هـ - 22 نوفمبر 2009م

تعقيدات المشهد الكويتي

 

عبدالله الشايجي

أربعة استجوابات في أسبوع واحد.. وبورصة الاستجوابات مشرعة على المزيد. فيما البورصة الحقيقية تستمر بالنزف دونما حل. ما زاد المشهد السياسي وعورة، كان قرار وزير الشؤون حل إدارات الأندية الرياضية، وقرار مجلس الأمة إلغاء لجنة تحقيق الفحم المكلسن. وزاد المشهد المرتبك درامية، دموع نائبة، وتهجم بين نواب ونواب، وسجال بين وزراء ونواب. وأتت الإحصائيات لتلفحنا وتنبئنا بأن الكويتيين في دولتنا التي تضم ثلاثة ملايين ونصف المليون من السكان، من بينهم مليون ومئة ألف أو 31 % من مجمل عدد السكان. أي أقلية في دولتنا.

إن تدني لغة الحوار بين النواب وزملائهم النواب، وبين الوزراء والنواب، تدشن لمرحلة سياسية محبطة وسط ارتفاع مضطرد بعدد الاستجوابات لتشمل وزراء السيادة، ما يعيد للذاكرة المشهد الذي سبق حل مجلس الأمة في العام 1986. واليوم باتت جميع الاحتمالات واردة.

وسط هذا كله ننتظر قمة خليجية تعقد في الكويت الشهر المقبل. وتزداد حبكة التعقيد وضبابية المشهد السياسي في شهر الانعقاد الأول. وصدقت التوقعات والتحليلات التي سقناها في هذه الزاوية، خلال الشهر الماضي، والتي للأسف تقودنا إلى المجهول في فقدان البوصلة، ننتظر بترقب سيناريو الحل الذي تحدثنا عنه في مقالاتنا السابقة.

بدأ يرتسم، حتى قبل بدء دور الانعقاد، مشهد معقد ومحبط مللناه لتكراره ورتابته.. سماته الشلل السياسي والعجز وفقدان المبادرات والريادة والتراجع والضمور في مجالات كانت الكويت تتقدم فيها الصفوف على صعد متعددة ومختلفة. وأتى دور الانعقاد الحالي وتطوراته وزحمة الاستجوابات وتدني لغة الحوار والتهجم بمفردات ومصطلحات لتكشف حجم الاحتقان وعمق المأزق وانسداد الأفق.
هكذا يكرر التاريخ نفسه، ونعود إلى مطلع صيف العام 1986 في مجلس الأمة السادس، والذي انتهى بحل من خارج رحم الدستور بعد تقديم أربعة استجوابات لوزراء. وهو عدد الاستجوابات التي قُدمت في الأسبوع الماضي من بينهم رئيس مجلس الوزراء نفسه. ونكتفي بالتذكير بأن المشهد اليوم أكثر تعقيداً وضبابية مما كان عليه في أكتوبر العام 2007 عندما تسابق النواب: ضيف الله بورمية، وعلي العمير، ووليد الطبطبائي في تقديمهم استجوابين في اليوم نفسه، للوزيرين بدر الحميضي وعبدالله المعتوق.

وهكذا دخلنا في بازار مزايدات الاستجوابات، والتي قد تكون في الكثير من الأحيان مستحقة ومشروعة، ولكن في أحيان أخرى، عليها أن تراعي الصالح العام، وحراجة الأوضاع، وتداعيات النتائج، خاصة أن المزايدة التي نشهدها، والتسابق على الاستجوابات، لم تعد مستساغة في ظل عدم تحقيق الاستجوابات للأهداف التي تُقدم من أجلها. مع الإقرار بأن الاستجواب من حقوق النائب التي كفلها الدستور، ولكنها في المحصلة النهائية، لا يتم تفعيل نتائجها، ولا تحقق الإصلاح والتغيير الذي يهدف إليه الاستجواب في المقام الأول، وهو تحميل الوزير المستجوب مسؤولياته وبرّه بقسمه الدستوري.

كما أن الصراع الدائم بين السلطتين، والذي تابعنا وقائعه خلال الجلستين الأخيرتين لمجلس الأمة، وما تخللهما من تقاذف وتدنّ في لغة الحوار وطغيان التشكيك والتهديد والتسابق في تقديم الاستجوابات، أدى إلى شلل كلي في الإنجاز والاضطرار لرفع الجلسة بسبب احتدام السجال، والخلافات أدت إلى تعطيل إنتاج المجلس، كما حدث في عجز المجلس عن مناقشة صندوق المعسرين وتأجيل البت والتصويت على قانون العمل الأهلي، بسبب المشاحنات والخلافات. وهذا كله للأسف يعطل عمل السلطة التشريعية والرقابة، ويترك إحباطاً وقلقاً لدى المواطنين بسبب التخبط الذي بلغه نموذجنا الديمقراطي.

وما يزيد المشهد التباساً وبؤساً، التراجع المستمر الذي نشهده في الكويت على أكثر من صعيد، ولا تجدي تحذيرات المؤسسات المصرفية والمالية بوضع حد للخلافات السياسية وتفاقم الاحتقان السياسي، والتي باتت تؤثر في موقع ومكانة وسمعة الكويت المالية والاقتصادية، وتأخير المشاريع الكبيرة.

في السنوات الأخيرة تراجع موقع الكويت في مؤشرات مهمة ومؤثرة. ففي مؤشرات عديدة مثل جذب الاستثمارات الأجنبية، تراجعت الكويت لتنافس جيبوتي على جذب الاستثمارات الخارجية، ما يضع الكويت في المرتبة الأخيرة بين دول مجلس التعاون الخليجي. وفي تقرير مؤشر الفساد الصادر عن «منظمة الشفافية العالمية» للعام 2009 الذي صدر الأسبوع الماضي وأمامي نسخة منه لـ180 دولة من دول العالم، حيث تحتل نيوزلندا المرتبة الأولى، لكونها الدولة الأقل فساداً وبدرجة 9.4 من 10 نقاط، والصومال المرتبة الأخيرة بدرجة 1.1، أتت الكويت متراجعة عن مراكزها السابقة خلال الأعوام الماضية في مؤشر الفساد لتأتي في المرتبة 66 مع جورجيا وكرواتيا.. وبمجمل محزن 4.1 درجات. وكانت الكويت احتلت المرتبة 65 العام الماضي. والملفت تراجع الكويت 20 مرتبة في مؤشر الفساد منذ العام 2006 عندما احتلت المرتبة 46 لتتراجع إلى المرتبة 60 في العام 2007، وليستمر النزف والتراجع إلى المرتبة 66 في العام 2009. يحدث هذا في دولة تتمتع بشفافية، وعلى الرغم من وجود المؤسسات الدستورية، ومجلس الأمة، وديوان المحاسبة، ومجتمع مدني مؤثر وإعلام حر تحتل الكويت فيه المرتبة الأولى عربياً وحريات ومساءلات واستجوابات. ومع ذلك تحتل الكويت المرتبة الأخيرة خليجياً في مؤشر الفساد في المنطقة.

جرس إنذار يجب أن نطلقه بأننا نتجه صوب هاوية سياسية، وأن الاستجوابات والمماحكات والصراع السياسي الدائم والتشكيك المتبادل، وغياب الثقة بين الطرفين، وتراجع لغة الحوار، وتدني منطق الخطاب والتحاور وصولاً إلى استخدام مفردات لا تليق بالنواب، وصولاً إلى البكاء في قاعة المجلس، والخروج عن أصول اللياقة والحنكة السياسية، لن يساعدنا في الخروج من هذا المأزق المحرج. واستمرارنا على هذا النهج المدمر، سيبقينا في عنق الزجاجة.

المطلوب تغيير جذري لدى الطرفين، يخرجنا من هذه الأجواء الموبوءة، التي لم تعد مقبولة ومنتجة، بل محبطة ومعيبة ومؤذية.

*نقلا عن "أوان" الكويتية

عودة للأعلى