اتفق فقهاء المسلمين علي قاعدة تقول إن المجتهد ان أخطأ فله أجر, وان أصاب فله أجران. واتفقوا أيضا علي قاعدة ثانية تقول إن خير الخطائين هم التوابون ويعني ذلك أنه يوجد بين الخطائين من هم أهل خير.
1
يبدو هذا المدخل ضروريا, لأننا أصبحنا في وضع غريب. فما إن يجتهد أحد الأشخاص برأي, حتي تنهال عليه حملة ظالمة ومنظمة تلعنه وتحاصره وتصر علي أنه إن لم يتراجع عن رأيه, فقد خرج عن الدين, وعلي الشرع, بالرغم من أن المجتهد أصلا لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة وهذه الحملة تستخدم في ذلك كل الأدوات الحديثة, من كمبيوتر, وأجهزة محمول, لتدافع عن موقف هو أبعد ما يكون عن الحداثة! الحكاية أن زميلنا الفنان حلمي التوني رسم كاريكاتيرا يتناول فيه قضية المساواة بين الرجل والمرأة من وجهة نظر المرأة.
لاحظ, أن الرجل, يؤمن بالنصوص القرآنية, ويتعبد بها في صلواته. ولكنه وجد أن من الأوفق مناقشة الفقهاء في اجتهاداتهم. اذ أن الفقه هو من صنع الفقهاء كما يقول السنهوري. وبالتالي فالفقه ليس مقدسا. وانما يمكن تعديله حسب تغير الظروف والأحوال مالم يكن فيه نص صريح من القرآن والسنة.
والكل يعرف مثلا, كيف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف العمل بحكم المؤلفة قلوبهم وقال لقد أصبح الاسلام قويا فلم يعد يحتاج لأن يدفع لأحد حتي يضمن تأييده كذلك يعلم الكثيرون أن عمر أيضا, أوقف حد السرقة في عام الرمادة.
فطالما أن الاجتهاد بعيد عن قضايا التوحيد, والشهادتين, وأسس الاسلام, فما هو الضرر في الاجتهاد بعيدا عن ذلك؟.
2
علي هذا الأساس, كان الامام الشافعي يقول رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.. ثم إنه من المتفق عليه أنه لا يوجد في الاسلام السني سلطة دينية فمن حق كل انسان أن يقرأ القرآن, وأحاديث الرسول, ويجتهد فيه برأيه, وأجره علي الله وحده وإلا فلماذا نزل بلسان عربي مبين, ويستطيع كل من يجيد القراءة والكتابة أن يقرأه, ويفهمه. إن السعي إلي تكوين مجموعة خفية تبادر إلي إرهاب البشر اذا اجتهدوا رأيهم واختلفوا معهم, هو أمر ليس من الدين في شيء بل هو عملية تسلط وتسييس ظاهر لمسألة ليست سياسية.
ولننظر في القرآن الكريم نفسه. لقد كان الله عز وجل, قادرا علي ألا يشير مطلقا إلي آراء أهل مكة المشركين, وإلي آراء أتباع مختلف العقائد الذين اختلفوا مع الرسول, صلي الله عليه وسلم. ولكننا نجد أن ما حدث يختلف تماما عن هذه الصورة فمن خلال القرآن, نستطيع أن نعرف كل آراء وتصورات وأفكار المشركين وهو يعرفها بهدوء, ويرد عليها بالحكمة والموعظة الحسنة. بل وأيضا الأديان والعقائد المعاصرة له.
وقد تعلم الفقهاء الكبار في عصر الاجتهاد من هذا النموذج القرآني معني الاختلاف, واحترام المجتهد, وليس إهدار دمه, أو تكفيره, أو السعي للحجر علي رأيه.
المدهش في القصة, ان بين من يقرأون القرآن في زماننا هذا من تحدثهم فكرة وعقيدة السلطة والتسلط فهي التي يقصدونها وتعنيهم قبل كل شيء وهؤلاء يرتكزون في الأساس علي جماعات الاسلام السياسي فبعد أن تصبح المناقشة حراما, يصبح أي انتقاد لهم أو رفض لآرائهم, كفرا بواحا.
3
لماذا أصبح الناس في مصر يضيقون بالرأي والرأي الآخر؟ لعل السبب الظاهر, أن وسائل الاعلام القومية تروج لأفكار أحادية الاتجاه.
وتعتبر كل من يختلف معها خارجا علي الجماعة.
ومع تعاقب السنين, أصبح هذا الأسلوب رائجا ففي أي قضية, لم يعد الناس يتقبلون الأفكار المخالفة وليت الأمر يقف عند عدم التقبل أو الرفض. بل انه يتعدي ذلك ويؤدي إلي ارتكاب مخالفات وانتهاكات لحقوق الانسان, لا لشيء إلا لمجرد الخلاف في الرأي بعيدا عن السعي لتطبيقه!
المذهل, أن هذا يحدث, وتستغله جماعات الاسلام السياسي بما يخدم أهدافها.
وفي الوقت ذاته, نتحدث عن أن عدد الأحزاب أصبح نحو25 حزبا فكيف توجد كل هذه التعددية الحزبية, في حين أنه لا توجد تعددية حقيقية في الرأي؟
هل كان المجتمع الاسلامي قبل1430 عاما أكثر تعددية واستعدادا لتحمل المخالفين في الرأي عما هو عليه الآن؟ يبدو أن هذه هي الحقيقة بكل أسف.
* نقلا عن "الأهرام" المصرية