طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 01 ذو القعدة 1425هـ - 13 ديسمبر 2004م
بعد الاعتداءات التي استهدفت أرواحهم وكنائسهم
5000 عائلة عراقية مسيحية تلجأ إلى سوريا بحثا عن "الأمان"
كنيسة كالديان بالموصل - العراق
 

بيروت - بولا حريقة

سجل في الآونة الأخيرة تزايد ملحوظ في نزوح العائلات المسيحية من العراق، وذلك مع تزايد وتيرة اعتداءات الجماعات الإرهابية في العراق على الكنائس المسيحيّة والمواطنين المسيحيّين، سجّل ارتفاع نسبة نزوح العائلات المسيحيّة الميسورة باتّجاه كندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة.

وتشير بعض التقديرات إلى نزوح نحو 5 آلاف عائلة متوسّطة الحال إلى مدينة حلب السوريّة، الأمر الذي أثار مخاوف الكنيسة الكاثوليكيّة من أن تؤدي موجات الهجرة على هذه الوتيرة إلى زوال المسيحية من العراق، لاسيما وأنّ عدد المسيحيّين لا يتجاوز 800 ألف نسمة.
وبحسب صحيفة لوفيغارو الفرنسيّة فإن أربعين ألف مسيحيّ غادروا العراق في الأسبوعَين اللذين تليا التفجيرات التي استهدفت كنائسهم، وسلسلة الاغتيالات التي طاولت بعضًا منهم، وتعرّض البعض الآخر للتنكيل والتهديد والخطف، وإقفال محالهم التجاريّة بقوّة السلاح، أغسطس/ آب 2004.
وقد ذكرت إحدى الراهبات العراقيّات لموقع الفاتيكان على الإنترنيت، أنّ بعض المتطرّفين عملوا على ترعيب المسيحيّين مؤكّدين لهم على "أنّ قتل مسيحيّ لا يعتبر خطيئة أو جريمة أمام اللّه"، ما جعل المسيحيّين يترقّبون تصفيتهم بعدما شهدت مناطق تواجدهم أعمال عنف تجلّت باقتحام المسلّحين منازلهم وخطف من شاؤوا منهم، وقتل العديد بلا مبرّر، وسرقة محتويات المنازل من أثاث وجواهر ومال، مع غياب نظام أمنيّ قادر على حمايتهم وممتلكاتهم.
وتروي الراهبة أنّ أحد أقاربها اختُطف من منزله واحتُجز لخمسة أيّام مكبّل اليدَين ومعصوب العينَين بدون طعام، ثمّ أُطلق سراحه مقابل فدية ماليّة كان الخاطفون قد حدّدوا قيمتها، بينما لم ينجُ من الموت سواه من الشباب المختطفين بسبب عجز ذويهم عن دفع الفدية المطلوبة.
وبعد حادثة مقتل طفلة مسيحيّة في صباح الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأوّل 2004 عقب اختطافها من قبل عناصر من المسلّحين المتطرّفين ورمي جثّتها على قارعة الطريق وسلسلة الاعتداءات على دور العبادة اجتمع رؤساء الكنائس الكلدانيّة واللاتينيّة والسريانيّة والأرمينيّة والروم الأرثذوكس وأعلنوا عن تمسكّ المسيحيّين بأرضهم ورفضهم النزوح والهجرة إلى خارج العراق والخضوع لأيّ تهديد أو تخويف وعزمهم على المشاركة في بناء عراق السلام والحريّة والديمقراطيّة والتسامح، حسب ما ورد في البيان الختاميّ الصادر عنهم.
لكنّ "الشجاعة" التي أبداها رؤساء الكنائس المسيحيّة لم تجد لها أصداء داخل منازل المسيحيّين في الموصل وبغداد، حيث يعيش الأهالي الرعب والقلق على المصير فآثر العديد منهم الرحيل إلى البلاد التي لهم فيها أقارب أو أصدقاء، أو إلى حيث تعيش الأقليّات المسيحيّة متمتّعة بالحريّة الدينيّة والسلام والاحترام. لذلك استقطبت مدينة حلب السوريّة 90% من نسبة العائلات النازحة، كونها تضمّ، إلى أبنائها المسلمين، جماعات مسيحيّة تعتبر الأكثر عددًا في البلاد السوريّة.
وقد أشار مطران حلب للسريان الأرثذوكس يوحنّا إبراهيم إلى أنّ أوضاع النازحين المسيحيّين مأساويّة، فقد عاشوا خوفًا شديدًا ارتضوه لأنفسهم لكنّهم رفضوه لأولادهم فاختاروا المنفى تاركين أرزاقهم وممتلكاتهم، وهم يعانون انهيارًا نفسيًّا يحتاجون معه إلى الدعم المعنويّ والنفسيّ، وإلى المأوى والطعام والدواء.

وفي حديث إلى صحيفة المساء البلجيكيّة أشارت جيهان نوزد، وهي مسلمة سنّيّة من أصل كرديّ وطالبة في جامعة بغداد، إلى أنّ العراقيّين الذين عاشوا الخوف من التعبير عن رأيهم في عهد صدّام حسين باتوا يعيشون اليوم في ظل ديكتاتوريّة تتخذ من الدين ستارا لها، وبات مناصرو هذه الجماعات المسلّحة يتنقّلون في الموصل وكربلاء لتطبيق نظام ديني متطرف عنيف.
ويقول زعيم الحزب الوطني الديمقراطيّ ناصر كمال شادرجي أنّ العراقيين يعيشون في ظلّ إرهاب إيديولوجيّ لا حدود له، ولا يمكن مقاومته لأنّه متغلغل في الشوارع والجامعات والمنازل، يتدخّل بتفاصيل حياة المواطنين المسلمين والمسيحيّين على حدّ سواء، ويفرض عليهم أسلوب عيش يتناسب ومعتقداتهم، ويجبر النساء على ارتداء أزياء معينة.
ويضيف شادرجي أنّ الأقليّات المسيحيّة هي الأكثر تضرّرًا وتعنيفًا بعدما أكّد لهم المسلّحون المتطرّفون على أنّ العراق الجديد لا مكان لهم فيه. وما التفجيرات التي تعرّضت لها كنائسهم سوى مرحلة أولى من مخطّط منظّم يهدف إلى إفراغ المجتمع العراقيّ من المسيحيّين الذين يصفونهم بالخونة، لذلك يهدّدونهم ويرهبونهم وهم عزّل لا قدرة لهم على المقاومة، نساؤهم يلازمن المنازل، وأبناؤهم تخلّوا عن الدراسة.
من جهته أبدى مطران الموصل غابريال كسّاب، العراقيّ الجنسيّة والمسؤول عن رعاية 1150 عائلة مسيحيّة، حزنه الشديد لما يحدث، مؤكّدًا على أنّ المسلمين والمسيحيّين عاشوا منذ آلاف السنين كعائلة واحدة في الموصل تجمعهم المحبّة والسلام ويتبادلون التهاني والزيارات في الأعياد والمناسبات.
وفي تحقيق نشره موقع الفاتيكان "فيدس" أشار الأب نزار سمعان إلى قيام جماعات إرهابية بتهديد الكهنة والجماعات المسيحيّة في المنطقة بالقتل إذا آثروا البقاء في المدينة، واعتمدوا من أجل تنفيذ مخطّطهم سياسة تجويع المسيحيّين وإفقارهم.

وحسب مجلّة إكسبرس الفرنسيّة فإنّ الخوف والذهول يسيطران على الشارع العراقيّ برمّته الذي يرفض التشدّد الديني، ويصرّ على التعايش السلميّ بين الطوائف الذي ميّز العراق منذ آلاف السنين، وعلى مساندة العراقيّ مواطنه مسيحيًّا كان أم مسلمًا. وفي هذا السياق أشار عالم الدين الشيعي مجيد خطّاب إلى أنّ اللّه، عزّ وجلّ، لا يرضى بما يفعله المتشدّدون المتطرّفون سواء بالأمة الإسلاميّة أو المسيحيّة، وسيستمرّ المسلمون في الدفاع عن المسيحيّين ومساندتهم لأنّهم أبناء العراق.
وشدّد كذلك بطريرك الكلدان عمانوئيل الثالث على وحدة العراقيين بمختلف أديانهم ومذاهبهم، داعيًا أبناء العائلة الواحدة من المسلمين والمسيحيّين إلى التعاضد لما فيه خير العراق، لاسيّما وأنّهم تزاوجوا منذ آلاف السنين وشكّلوا وحدة اجتماعيّة متراصّة.
من جهته أشار عليّ وهو مواطن شيعيّ، إلى أنّ المجتمع العراقيّ تكوّن بفعل اندماج مختلف الطوائف بالمصاهرة، فأخوه متزوّج من سنيّة، وآخر من كرديّة، وله قريب مقترن بمسيحية، مما يعني أنّ المجتمع العراقيّ أصبح وحدة وطنيّة منتمية إلى الوطن وليس إلى الطوائف، لذلك فالهجرة المسيحيّة ستصيب العائلة العراقيّة بالتفكّك.
وفي حديث إلى صحيفة ليبراسيون الفرنسيّة أشارت سيّدة مسلمة سنّيّة إلى أنّ التهديد الذي يتعرّض له المسيحيّون يطاول بعض منه المسلمين الشيعة والسنّة أيضًا وبخاصّة منهم النساء اللائي أُجبرن على ارتداء ملابس معينة، وعدم الخروج من المنزل إلاّ برفقة زوج أو قريب، وعدم الظهور في الشوارع مكشوفات الرأس خوفًا من الإهانة والاعتداء، لذا آثرت المرأة المسلمة العدول عن العمل أو التوقّف عن متابعة التحصيل العلميّ، "لكنّنا لن نسمح بلبننة الأرض العراقيّة وتمزيق الوحدة الوطنيّة ودكّ أسس التعايش السلميّ بين الطوائف".

عودة للأعلى