سمية الشيباني
"حول صناعة الشخصيات الدكتاتورية في العراق"
هذا هو العراق بلد التكريس، تكريس الفكرة والثقافة الواحدة والاتجاه الواحد. نعم بلد التعددية ولكن بلا تنظيم وبلا أهداف أو منافسة شريفة، وكل يريد الفوز على حساب إسقاط الآخر وكأن وجوده أو كيانه سيكون مهددا مع بقاء كيانات أخرى، وما أن تنتهي الحفلة تكون الأضواء قد ركزت على شخص ما وفكرة ما لنصنع منها الصنم! ولنبدأ من جديد نفكر بهدمه! لأننا سنكتشف فيما بعد بأن ليس هذا هو الإله!. عجيب يا عراق، عجيبة أرضك وشعبك وتاريخك، منذ جلجامش وأنت تتحرك بفلك الأشخاص لا بفلك الأفعال والنوايا والبناء، بالأمس كنا نلوح لصدام نهرول له في الشوارع حفاة، نركع تحت قدميه وهو يحيينا من علو وكأن الشعب كله سبيٌ ليد من عقيق! واليوم نفس الوقفة بل نفس المشهد لأياد كثيرة! محنيي الظهور والرؤوس نعلق الآمال على أكف جديدة لنمارس صنعة تكريسها، فينقلب السحر على الساحر يوما ما ويتحول الحلم الأخضر إلى كابوس لنبدأ من جديد في عمليات يائسة لإجهاض كابوسنا قبل أن يستفحل. لكنه سيكبر داخل أرحام نسائنا ويعشش في رؤوس رجالنا ويقرؤونه أبناؤنا في الألف والنون والياء.حذار يا عراقيين من صناعة دكتاتوركم الجديد، احذروا من فكرة جديدة تلتهم حفنة أخرى من سنوات العمر. أرى من بعيد فكرة التحزب الطائفي تستفحل في العراق ، فلا تترك مساحة للديمقراطية الموعودة ولا بالتعددية ولا بالعدالة ولا ببلد يزدهر ويبنى بألف فكرة وطريقة ليكون كحديقة غناء تجمع الكل تحت ظلالها.احذروا من أنفسكم، ما يحدث اليوم لتكريس فكرة، أن تسود الفكرة الواحدة متناسين أن العراق فيه مسلم آخر ليس له علاقة بالمتطرف السني أو المتطرف الشيعي ...العراق فيه المسيحية والأزيدية والصابئة والأرمن، فيه المسلم السني العلماني كما فيه المسلم الشيعي العلماني ولكن ما يحدث اليوم في العراق لا يبشر بالخير.
ليس الاعتراض على أن تمارس الطقوس الشيعية في كربلاء والنجف وباقي محافظات العراق، ليس الاعتراض على المشاهد المسرحية الرائعة ذات التكوينات التي تدل على إبداع وقيمة تاريخية في الزى والحركة والتنظيم والتمثيل هذا شيء يدعو للفخر، ولكن ما يقلق هو الأسلوب، هناك رائحة للكيد وأخذ بالثأر من زمن كان محرما على الشيعي أن يتذكر التاريخ في شهر عاشوراء! لأن ممارسة هذه الطقوس كانت جريمة عقوبتها القتل.
أي إنسان وسطي في طريقة حياته يقبل الكل ويستطيع أن يتفهم كل الأفكار ولو بحد أدنى، لا يستسيغ ولا يمكن أن يقبل ما يمارس من قبل بعض الشخصيات في طريقة تكريس شخصياتها وسيطرتها ووقوفها على المنابر سواء للتلويح للعراقيين وهم فاغرو أفواههم شاخصين أبصارهم إلى هذه اليد العاجية.ليس اعتراضا على من يقف على هذه المنابر، بل على الطريقة وسياسة التكريس التي تبعث رائحة خراب قادم، فيه هدر للوقت وبناء الإنسان.
إن كانت بعض الرموز قادرة على قيادة الشعب بهذا الشكل اللافت؟ فالأجدر بها أن تعلم كيف تكون الذكرى وكيف أن الإنسان لا يعتبر ناكرا للجميل لو أنه استمع إلى مقتل الحسين وهو جالس في بيته أو في مسجد أو حتى في تجمع جماهيري، لكن شق الرؤوس واللطم على الخدود والجلد بالحديد أمر مرفوض تماما مهما كانت الحجج والذرائع.الشعب العراقي يحتاج إلى وعي غير عادي لأننا أمام هدم غير عادي ولأن بناء هذا الهدم يريد إنسانا ليس عاديا، إنسان يتعلم كيف يتناول طعام غدائه وهو على مكتبه لأن الوقت ثمين، يعقد الاجتماعات وهو يقود سيارته لأن الزمن يدور سريعا، يشرب قهوته ويقرأ جريدته ويرمم جدار منزله ويفكر بتطوير عمله في آن واحد لا أن يقضي الليالي والأيام يندب ويصرخ ويولول ويلطم ويجلد ذاته لأمر لم يقترفه.كل من تلطمون عليهم يحرمون اللطم، كل من تلطمون عليهم يحرمون فكرة استخدام الطفولة كأداة لإحياء ذكرى مرت عليها مئات السنين، هذا الطفل يحتاج إلى هذا الوقت المبدد وهو محمول بين الأذرع لأنه منذور أن يرتدي الكفن! أو منذور ليشطر رأسه "بالقامة"هذا الطفل يجب أن يغفو على فراشه على أصوات تنمي إحساسه وتتحول إلى ذكرى جميلة لا أن يهده التعب على هدير الصراخ وأصوات الزناجير ورائحة العرق ومشهد الدم، هذا الطفل لا بد أن يحظى بليلة هادئة استعدادا ليوم يتعلم فيه حرفا جديدا أو درسا جديدا ويبني ذاته التي تتناسب ولغة العصر. لا أن يمشي في جنازة وهمية ويلطم على طريقة وراثة الأفكار والذكريات.
لو كان الحسين "ع" أو الإمام علي "كرم الله وجهه" يعيشون بيننا الآن لأمروكم بتعليم أبنائكم وبحمايتهم وتسليحهم بالمعرفة، هذه الشخصيات التي تلطمون عليها بريئة مما تفعلون، تركت أسمائها على صفحة التاريخ بنزاهتها وحلمها ومعرفتها، تركت إرثا من الأدب لا يعرف هؤلاء الأطفال عنه شيء أبعد من اللطم والتطبير.
يا ويلنا من الغد القريب ونحن نرى شبابا لم تكتمل حكمتهم بعد يضعون على رؤوسهم العمائم ويخطبون بلغة متعالية مستفزة للضمير الآخر للفكر الآخر للرأي الآخر وكأن الدنيا في العراق قد قامت وستقوم على عمة.
هذا هو المشهد العراقي الآن كما يراه الجميع: السنة المتطرفون يفجرون كل ما تطاله اليد، وبقلوب باردة! والشيعة المتطرفون منشغلون باللطم إلى جانب انشغالهم بالأخذ بالثأر بكل الأشكال سواء بالرد على تفجيرات السنة أو بتعويض الأيام السود التي عاشوها منفيين أو مؤجلين، والأكراد منشغلون بغزل الشمال غرزة غرزة ينظمونه كعقد من لؤلؤ، لكن حبات اللؤلؤ هذه سوف لن تسلم من الخدش، فالمحيط ليس هادئا ولا بد للرذاذ أن يطال الجميع.
"في وسط هذه الفوضى، باقي الطوائف حالها كحال "الأطرش بالزفة".
أما الإنسان العراقي الذي لا ينتمي إلى هذا أو ذاك، الفنان الشاعر المثقف المسرحي الإعلامي المعتدل، هذه الفئة التي تحلم بليال هادئة لتتفرغ إلى الإبداع وتتطلع إلى مزيد من التطوير سواء على مستوى شخصي أو أسري لتعوض الأيام السود، فهي ينطبق عليها المثل القائل "عشم إبليس بالجنة" وبالمقابل هي منشغلة بفكرة الخروج من هذا المأزق، والشاهد على هذا الكلام الحلقة النموذجية لبرنامج "أبواب" التي قدمت على "قناة الحرة عراق" حين اشتغل العاملون في هذه الحلقة الخاصة وعلى مدى ساعة كاملة على تذكر من غادر العراق سواء بالموت أو بالهجر، وأعنيها بالهجر وليس بالهجرة، فجانب من معنى مفردة الهجرة هو اختياري لأسباب شخصية، لكن هجرة العراقيين قسرية وإجبارية ولذلك الأولى أن نسميها هجرا لأن الهجر يأتي بعد أن يفقد الإنسان الأمل في إصلاح الأمر.
ليس هذا هو الأسلوب الذي ننفتح به على العالم، أو نقدم به أنفسنا بعد زوال الغمة، ليس هذا هو الأسلوب الذي نعوض به الشعب الذي وعد بوعود لها بداية وليس لها نهاية، ليس هذا هو الأسلوب وقد قبلنا بالغرباء من أجل إزاحة الدكتاتور، وهو خيار مرٌ قبلناه ونحن نعض على الإصبع.
مطلوب لغة قادرة على حقن الدم والثأر، وللأسف لغة اليوم فيها رائحة الثأر، والثأر يورث الثأر والدم...مطلوب سياسة تحاكي عقل الإنسان العراقي المطحون في ماض ٍ كله ويلات وحاضر غارق بالفقر والجهل والتجاهل، مطلوب سياسيون يحاكون العقول لا العواطف.
لست ضد فكرة الحزن والتعبير عن الأسى والألم، فالحزن يصنع الإنسان، لكن اللطم أمر مرفوض حتى في موت أقرب الناس وأحبهم، الذكر مطلوب والصلاة مطلوبة والتلاوة والقراءة وحتى النذور سواء كانت بالمشي أو بالطبخ أو بالسهر أو ببذل الأموال والحلي، ولا نستطيع كبح جماح عواطفنا ومحبتنا وولائنا وحزننا ولا حتى دموعنا. ليس كل العراق يلطم، ليس كل الشيعة يلطمون، هناك شيعي يحترم بل يقدس شهر عاشوراء كواحد من الأشهر الحرم ويصوم العاشر منه كغيره من السنة دون أن يجلد نفسه حد النزف! لماذا هذه المغالاة؟ وكأن عاشوراء فقط في العراق وكأن أهل العراق يلطمون عن كل شيعة الدنيا!.
هكذا سيصنع العراقيون دكتاتورهم الجديد فلا خطوة باتجاه الوعي والمعرفة في الأفق، وهذا أول الدرس وأول الشرط في مشوار صناعة الدكتاتورية لتلد لنا دكتاتورا جميلا نرعاه حتى يكبر فمه ويتسع كرشه ثم سنفكر من جديد لاستدعاء المُخلص! لكن السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه الآن: ترى من مخلصنا من دكتاتورنا بعد عمر طويل إنشاء الله؟ لأن أمريكا سوف لن تقبل بعرض آخر بعد ثلاثين عاما من الآن، فالعراق إذا ما استمر على هذه الحال سيتحول إلى أرض فقيرة بور وأمريكا لا تقبل الرهان على أرض بور.
|
