فهمي هويدي
الذين أطلقوا العنان لأهوائهم في المناقشات الجارية في مصر لم يحسبوها جيداً، لأنهم حين ارادوا هجاء الإخوان وقطع الطريق على تقدم الاسلام السياسي، وقعوا في محظور الانتقاص من قدر الشريعة واضعاف الهوية الدينية للمجتمع، الأمر الذي أثار لدى كثيرين السؤال التالي: هل هم ضد الإخوان أم أنهم ضد الاسلام؟
(1)
السؤال يعكس حالة البلبلة التي حدثت في اوساط الرأي العام جراء ما اعتبرته في الاسبوع الماضي “خطيئة” وقع فيها المثقفون والاعلاميون، حين تزامنت مناقشاتهم لتعديل الدستور مع الحملة التي شنتها الأجهزة الأمنية على جماعة الإخوان في اعقاب احداث جامعة الأزهر.
نعم ليس ذلك أول صدام بين الأخوان والسلطة، اذ ظل الاشتباك مستمراً بدرجات متفاوتة منذ عام 1948 خلال العهود الثلاثة: الملكي والناصري والساداتي، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي تتجاوز فيها التعبئة المضادة حدود المباح من جانب بعض المثقفين والاعلاميين إلى الحد الذي أثار الالتباس، ودفع البعض إلى التساؤل عن مقاصدها الحقيقية.
السهام التي اطلقت في ثنايا الحملة واستفزت المشاعر الدينية متعددة، لكني اخص بالذكر ثلاثة أمور هي:
الادعاء بأن الخطاب الاسلامي يتبنى الدعوة لاقامة “حكومة دينية” تستمد شرعيتها من “الحق الإلهي”، على النحو الذي عرفته اوروبا في عصورها الوسطى. وهذه الحكومة “المقدسة والمؤيدة” من شأنها أن تصادر حريات الناس وتجعل حياتهم جحيما.
الادعاء بأن الشريعة الإسلامية تهدر قيمة المواطنة ومن ثم تهدد الوحدة الوطنية، بما يشكل انتهاكا لحقوق الانسان، يتمثل في الانتقاص من قدر غير المسلمين، وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية.
الدعوة إلى الغاء أو اضعاف المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الاسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الاساسي للتشريع.
(2)
رغم أن الذين روجوا لهذا الكلام قلة بين المثقفين، إلا أن احداً لا ينكر أن صوتهم كان أعلى من غيرهم، وأن مواقعهم في اجهزة الاعلام الرسمية والقومية سمحت لهم ببث افكارهم على نطاق واسع، الأمر الذي اسهم في اشاعة البلبلة بين الناس، حتى انقسموا إلى فريقين، أحدهما اشتد خوفه على الاسلام، والثاني تعاظم خوفه من الاسلام، وفي الحالتين فإن موضوع “الخوف” كان الاسلام وليس الإخوان.
من المفارقات في هذا الصدد أنه بينما كانت بعض الاصوات تخوف الناس من الاسلام ودولته الدينية، وتدعو إلى الغاء النص عليه في الدستور كدين للدولة، فإن الخارجية المصرية اصدرت بيانا احتجت فيه على تصريحات البرلماني الهولندي الذي اهان الاسلام وطالب المسلمين بالتخلص من نصف القرآن. وقد عبرت عن ذات الاحتجاج دول اسلامية عدة، في مقدمتها المملكة العربية السعودية. صحيح أن كلام البرلماني الهولندي خيرت ويلدرز (أصله تركي) كان بذيئاً وفجاً، إلا أنه لا يختلف عما صدر عن بعض مثقفينا إلا في الدرجة فقط. فقد طالب بالتخلص من نصف القرآن، بينما اصحابنا هؤلاء يطالبون بأسلوب آخر وبطريق غير مباشر، بالتخلص من نسبة اقل، وبعضهم طالب بالتخلص من الاسلام ذاته في نص الدستور.
لم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة، لأن ذات الصوت العالي في خطابنا الاعلامي حفل بعدة مفارقات اخرى، استطيع ان اعدد منها ما يلي:
أن المتحدثين انطلقوا من أن تنظيم القاعدة هو المتحدث الشرعي الوحيد باسم الاسلام، وأن حكومة طالبان هي المثل الاعلى في التطبيق الاسلامي. بالتالي فإنهم اعتبروا أن تاريخ الاسلام بدأ في تسعينات القرن الماضي بالملا عمر، “وصاحبيه” اسامة بن لادن وأيمن الظواهري. كما أن رسالته نزلت في كابول وقندهار، ولم تنزل في مكة والمدينة، ولأنهم اختزلوا التجربة الاسلامية في هذه الرموز والخبرات، فإنهم لم يروا في الاسلام سوى أنه كابوس خوفهم، من ثم فلم يقصروا في تخويف الناس وترويعهم منه!
أنه من أجل كسب معركة سياسية ضد الإخوان في ظرف تاريخي معين، لم يتردد اصحابنا هؤلاء في التضحية بقضية استراتيجية تتمثل في اعتزاز الناس بدينهم وثقتهم فيه، واطمئنانهم إلى أن السلطة حريصة على احترام تلك الاشواق إن لم تكن معبرة عنها، باعتبار ذلك من مسوغات شرعيتها فضلا عن كونه من مقتضيات السلم الأهلي.
أن حملة التعبئة المضادة اوهمت الناس بأن المطروح الآن هو تغيير النظام كله، وان الاخوان بصدد استلام السلطة غداً، الأمر الذي سوف يستصحب قلبا لكل الاوضاع الاجتماعية في البلد. وهو سيناريو متخيل لا صلة له بخرائط الواقع ولا احتمالاته. لأن خبرة الخمسين سنة الأخيرة على الاقل تدل على أنه ما من قوة سياسية في مصر، لا الاخوان ولا غيرهم، تملك قدرة احداث مثل ذلك الانقلاب.
المفارقة الرابعة أن ابرز الافكار التي ترددت في سياق حملة التعبئة المضادة، هي ذاتها التي ما برح يرددها خصوم الاسلام، وجرى تفنيدها والرد عليها، الامر الذي تصورنا معه أن أمرها قد حسم، وأن الوقت قد حان لتجاوزها إلى غيرها.
(3)
في بداية القرن الماضي ( عام 1902) نشرت مجلة “المنار” عدة مقالات للإمام محمد عبده، رداً على ما كتبه فرح أنطون صاحب مجلة “الجامعة”، بشأن الاضطهاد في المسيحية والاسلام. في واحدة من تلك المقالات تحدث الاستاذ الإمام عن اصول التصور الاسلامي، معتبرا أن “قلب السلطة الدينية والاتيان عليها من اساسها” واحداً من أهم تلك الاصول. وذكر في هذا الصدد أن الاسلام هدم بناء تلك السلطة ومحا اثرها، حتى لم يبق منها عند الجمهور من اهل الملة اسم ولا رسم.. فليس لمسلم مهما علا كعبه في الاسلام، على آخر مهما انحطت منزلته فيه إلا حق النصيحة والارشاد.. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخلفية عند المسلمين بما يسمية الافرنج “تيوكراتيك” أي سلطان الهي.
هذا الموقف الذي عبر عنه الإمام محمد عبده قبل اكثر من مائة عام ظل واقعا في حياة المسلمين منذ نزلت الرسالة. ولم يسجل التاريخ أن احداً من اهل السلطة الاسلامية ادعى لنفسه قداسة او عصمة او أي نسب الهي، حتى أن احد العوام حين دخل على الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فإنه حياه قائلا: السلام عليك ايها الأجير.
إن المرء ليدهش حقاً حين يجد أن بعض المثقفين لا يزالون يصرون على اثارة مسألة الدولة الدينية في زماننا، في استعادة غير مبررة للتاريخ الكنسي في اوروبا، وتأثراً بالنموذج الايراني الذي يجسد تلك الدولة إلى حد كبير. ولا اعرف لماذا لم ينتبه هؤلاء المثقفون إلى الفروق الجوهرية في هذه المسألة بين اهل السنة الذين يمثلون 90% من المسلمين والشيعة الاثني عشرية الذين لا تتجاوز نسبتهم 10%.
الدهشة ذاتها تنتاب المرء ازاء التشكيك في موقف الاسلام من مسألة المواطنة التي أكدها الدستور المصري بنص حاسم في المادة ،40 التي تقرر المساواة بين المصريين كافة دون تفرقة في الحقوق والواجبات، ناهيك عن انها لم تعد موضوعا للمناقشة بين فقهاء المسلمين. وهو ما سجلته في كتابي الذي صدرت طبعته الأولى في سنة ،1985 وكان عنوانه “مواطنون لا ذميون”. ولست اشك في أن الذين يتنافسون هذه الايام في تخويف الاقباط من كل ما هو منسوب للإسلام يجهلون او يتناسون مثلا أن مؤسس حركة الاخوان الاستاذ حسن البنا شكل في أواخر الاربعينات لجنة سياسية للجماعة، ضمت 12 عضوا، من بينهم اربعة من الاقباط هم الاساتذة: لويس فانوس، ووهيب دوس ويوسف اخنوخ وكريم ثابت. وحين رشح نفسه لعضوية مجلس النواب في بداية الاربعينات، كان وكيله في منطقة الطور مسيحي يوناني الاصل اسمه خريستو.
لقد لاحظ المستشرق الالماني آدم ميتز (صاحب كتاب الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري) كثرة العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الاسلامية المبكرة، فأبدى دهشته من ذلك وكان تعليقه كالتالي: كأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الاسلام.
على صعيد آخر فإن الذين قرأوا الحالة الاسلامية وهم يرتدون نظارة تنظيم القاعدة ولا يسمعون سوى اصوات المتعصبين والكارهين، تجاهلوا موقف المرجعية الاسلامية التي تطاول عليها البعض ونددوا بالالتزام بها في ممارسة العمل العام، إذ قررت في نص صريح حق الكرامة لكل بني آدم، بصرف النظر عن اعراقهم واجناسهم ودياناتهم، واعتبرت صيانة تلك الكرامة حقا من حقوق الله يتعين تحصينه ضد أي عدوان.
(4)
أثناء حوار مع الدكتور كمال ابوالمجد حول دعوة البعض إلى الغاء أو اضعاف المادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن الاسلام دين الدولة.. الخ سمعته يطرح السؤال التالي: هل حدث خلال الثمانين عاما الماضية أن عطل وجود تلك المادة أي محاولة للاصلاح أو التقدم في أي اتجاه؟ ولأن الرد بالنفي، فإن دلالة حذف النص المستقر منذ عشرات السنين لا بد أن تثير الحيرة وتسوغ اساءة الظن، فضلا عن انها تفتح الباب واسعا لاثارة حفيظة عشرات الملايين من المسلمين، ممن قد يعتبرونه اقصاء لدور دينهم، أو عدوانا على مجتمعهم. لكن يبدو أن العمى السياسي الذي يعاني منه المتعصبون والمبغضون حجب عن اصحابه رؤية مشاعر الأمة وغيب عنهم ادراك مصلحتها في اشاعة الاستقرار وتحقيق السلم الاهلي. بسبب من ذلك فإنهم لم يمانعوا في توتير البلد كله واشعال نار الغضب والفتنة فيه، في مقابل أن يستجاب لأهوائهم ونزواتهم. وهو ما وعاه جيداً البابا شنودة بطريرك الأقباط حين اعلن في الاسبوع الماضي رفضه لالغاء المادة المذكورة “لعدم تهييج مشاعر المسلمين”، مؤثرا تحقيق المطالب بالتفاهم والتراضي.
جدير بالذكر في هذا السياق أن تقرير اللجنة التحضيرية للمؤتمر المصري الذي اعدته نخبة من كبار المثقفين في البلد، وقدم إلى ممثلي الامة في اجتماعهم الكبير 1911 لتحرير العلاقة بين المسلمين والاقباط. هذا التقرير نص بوضوح على أن “دين الامة المصرية هو الاسلام وحده لأنه دين الحكومة ودين الاكثرية في آن واحد. ذلك أمر بعيد بطبعه عن المناقشات في المصالح الدنيوية العامة التي تكون بين الاكثرية وبين الاقلية السياسية”. وكان قد قرأ التقرير على المؤتمر التاريخي أحمد لطفي السيد (بك) ومساعده في ذلك أحمد بك عبداللطيف وعبدالعزيز بك فهمي (قبل أن يصبحوا باشاوات)، وهم من طليعة المثقفين العلمانيين في مصر، الذين كانوا اكثر نزاهة ومسؤولية من نظرائهم في زماننا.
إذا سألتني عن رأيي في تلك المناقشات، فإجابتي انها عكست رغبة التحالف القائم بين المتعصبين وغلاة العلمانيين في تصفية حساباتهم مع الحقيقة الاسلامية الراسخة في مصر، مستفيدين في ذلك من الحملة الامنية ضد الاخوان، ومن الأخطاء التي ارتكبها بعضهم. وفي محاولتهم تلك، فانهم اسقطوا من حسابهم أولويات المجتمع ومصالحه العليا، معبرين بذلك عن انتهازية لم تستفز المشاعر الايمانية في البلد فحسب، ولكنها اساءت ايضاً إلى مفهوم ومقاصد الاصلاح السياسي المنشود.
* نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية
|
