دبي- العربية .نت
قالت دراسة أعدها معهد كارنيجي لدراسات السلام في الولايات المتحدة إن هنالك العديد من التساؤلات التي لم يجب عليها الإسلاميون، وهو ما يخلق ارتيابا لدى الغرب، خاصة أن مواقف وسياسات الحركات الإسلامية لا زالت غير محسومة تجاه قضايا مثل المواطنة والفصل بين السياسي والديني والتعددية السياسية، والحريات الفردية، وحقوق المرأة.
وأضافت الدراسة التي كتبها عمرو حمزاوي، ومارينا أوتاوي، وناثان جاي براون ويناقشها برنامج بانورما في قناة العربية مساء الاحد 11-2-2007 إن العالم العربي شهد تصاعدا لتواجد الحركات الاسلامية في مصر والمغرب والكويت وغيرها، غير أن الدراسة ركزت على جماعة الإخوان المسلمين في مصر كنموذج للإجابة على التساؤلات التي تدعو للريبة الغربية في مواقف الحركات الإسلامية.
وقالت إن مثل هذه الريبة قد أحاطت، تاريخياً في الغرب، بظهور كافة الأحزاب والحركات السياسية ذات المعتقدات المرتبطة بالجذور الدينية، فالخوف من الإسلاميين ليس شأناً محصوراً بها على الإطلاق كما تقول الدراسة.
ورغم أن الدراسة أقرت باحترام الإسلاميين لقواعد اللعبة الديمقراطية في مصر والجزائر وغيرها، الا أنها قالت إن سجل الحركات الإسلامية في السياسة الديمقراطية لا زال غير قاطع، من حيث أن الأمثلة عليه قليلة كما أنها حديثة العهد لدرجة لا تسمح باستخلاص الكثير من العبر.
وركزت الدراسة على جماعة الإخوان المسلمين التي أظهرت اهتماماً متزايداً بالمشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003. ففي حين نشطت الحركة بصورة متقطعة في السياسة الانتخابية في الماضي، إلا أن مشاركتها مؤخراً أمست ملموسة أكثر وناجحة بدرجة أكبر بكثير مما كان عليه الحال في الثمانينيات والتسعينيات، وذلك نتيجة الجهود الهائلة للجماعة في التنظيم والتخطيط.
وقالت إن ثمة اسئلة لم تجب عليها جماعة الاخوان أثارت الكثير من الشكوك لدى المواطنين المصريين حول مدى التزام الإخوان بالعمل السلمي وحول الأهداف النهائية من مشاركتهم في العملية السياسية.
وضربت الدراسة أمثلة لذلك من اعلان المرشد العام للاخوان، محمد مهدي عاكف، خلال حرب لبنان 2006 بأن الإخوان كانوا يرغبون في إرسال 10 آلاف مقاتل إلى لبنان لمساعدة حزب الله، والتظاهرة التي نظمتها مجموعة من طلاب الإخوان المسلمين في جامعة الأزهر وغطوا خلالها وجوههم بأقنعة سوداء في ديسمبر/ كانون الأول 2006، وسلسلة من البيانات الملتبسة التي أدلت بها شخصيات قيادية في الحركة حول الوضع القانوني للأقباط المصريين وحقوقهم السياسية.
وطرحت كذلك الدراسة مشكلة الهوية السياسية والدينية المزدوجة التي تثير التباسا في موقف الاسلاميين منها وقالت إن غياب الفصل بين هاتين الهويتين، من وجهة نظرنا، يدعو إلى القلق في الغرب.
وقالت إن ثمة قضية ذات علاقة بمسألة الفصل بين الحركة الدينية والحزب السياسي، ألا وهي قضية الهيكلية التنظيمية والقيادية للإخوان المسلمين. فقد ترك الإخوان بصورة منتظمة التساؤلات المتعلقة بهيكليتهم السياسية دون جواب.
كما تطرقت الدراسة لمفهوم المواطنة وقالت إن موقف جماعة الإخوان المسلمين يبقى مدعاة لإثارة ارتياب إضافي. ففي التقاليد الديمقراطية الليبرالية، تفترض الديمقراطية صراحةً وجود مواطنة شاملة، أي المساواة الكاملة في الحقوق بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الجنس، أو الدين، أو العرق. ولجميع المواطنين الحق في المشاركة في الشأن العام ضمن الحدود التي أقرّتها قوانين البلاد ودستورها.
ويحتاج الإخوان المسلمون أيضاً –كما تقول الدراسة- إلى معالجة حقوق المواطنة بصورة أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالنساء. فهم يصرّحون دوماً بقبول حقوق المرأة ضمن الإطار الإسلامي. لذا سيكون عليهم، إن هم أرادوا تأمين صدقية أعلى في الداخل والخارج، أن يصبحوا أكثر تحديداً بكثير حول ما يعنيه ذلك. هناك العديد من القضايا المثيرة للجدل في كافة البلدان العربية فيما يخص حقوق المرأة، مثل حقها في منح جنسيتها لأطفالها إن اختلفت جنسية الأب، وفي الميراث، والقوانين المنظمة للطلاق، والسيطرة الذكورية على النساء ضمن الأسرة، والعديد من القضايا الأخرى. لا تكفي هنا البيانات العامة المتعلقة باحترام الإسلام للمرأة أو بضرورة معالجة كافة القضايا في إطار إسلامي لتهدئة الشكوك المشروعة.
كما أن موقفهم من الاتفاقيات الدولية يثير مخاوفا لدى الغرب وفي هذا السياق تتساءل الدراسة حول ما إذا كانت حكومة يسيطر عليها الإخوان المسلمون أو يؤثرون في قراراتها بوضوح سوف تقبل وتواصل الالتزام باتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع إسرائيل ولا تتراجع عن الاعتراف بها وعن العلاقات الدبلوماسية القائمة معها.
وفيما يلي النص الكامل للدراسة
التساؤلات التي ينبغي على الحركات الإسلامية الإجابة عليها: جماعة الإخوان المسلمين المصرية كنموذج ، بقلم عمرو حمزاوي، ومارينا أوتاوي، وناثان جاي براون، مؤسسة كارنيجي لدراسات السلام دليل السياسات شباط فبراير 2007
منذ نشر بحثنا الذي يحمل عنوان: "الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي: استكشاف المناطق الرمادية"، (ورقة كارنيغي 67)، ما انقطع مؤلفو البحث المذكور عن التواصل مع مسؤولي وأعضاء الحركات والأحزاب الإسلامية التي اختارت المشاركة في العملية السياسية الرسمية في بلدانها، أي تلك الحركات التي يدور حولها النقاش في الورقة المذكورة. وقد أعرب بعض هؤلاء الكُتّاب عن مخالفتهم للآراء الواردة في تحليلاتنا، حتى أنهم عبّروا عن انزعاجهم من إطلاقنا وصف "مناطق رمادية" على قضايا يعتبرون أن موقفهم بشأنها جاء جلياً بما يكفي. فقد عَنَى ردهم هذا، في ما عَناه، ان المشكلة لا تكمن في تقصير الإسلاميين في توضيح موقفهم، وإنما في عدم قدرتنا نحن على فهمه. غير أن كُتّاباً آخرين استخلصوا استنتاجات مختلفة من بحثنا، فقالوا أنه لا زالت هناك مشكلة أساسية تعتري مسألة التواصل ما بين الحركات الإسلامية والمُحللين المقيمين في الغرب. وما هو أهم من كل ذلك، مسألة التواصل بين هؤلاء وبين الحكومات الغربية. العديد من الكُتّاب، الذين عبروا عن الكثير من الإحباط، سألونا، في جوهر كلامهم: "ما الذي يتوجب على الحركات الإسلامية القيام به لكي تكسب المصداقية في نظر الغرب حكومات ومؤسسات بحثية، وكي لا يبقى التزام تلك الحركات بالعملية الديمقراطية ضمن خانة التشكيك المتواصل؟"
ولقد طُرِح علينا أيضاً سؤالٌ ثانٍ كشكل من أشكال الاستفسارات حول الطريقة التي قد يمكن بواسطتها للحركات الإسلامية أن تصف مواقفها بطريقة تُنهي التشكيك المستديم بصددها. وفي حين اننا نُقّدر تمام التقدير قيمة مشاركتنا في الحوارات الهادئة، لكننا كباحثين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، نحتاج أيضاً إلى عرض العمل البحثي الذي نقوم به على عدد أوسع من المهتمين والمنشغلين بالقضايا موضع البحث. أمّا السؤال حول الأسباب التي تجعل المحللين الغربيين والحكومات الغربية يرتابون إلى هذا الحد بنوايا الحركات الإسلامية، فهو شأن يستحق، بكل تأكيد، المعالجة. فالارتياب المتبادل بين الحركات الإسلامية وبين الغرب لا يساعد في دفع قضية الإصلاح السياسي قُدماً في العالم العربي، في الوقت الذي برزت فيه منظمات إسلامية عديدة، بصفتها لاعبة محورية في أية عملية تحوّل سياسي في المنطقة. ومن جهتهم، يتمتع اللاعبون الغربيون، الحكومات منهم كما لاعبو المجتمع المدني، بنفوذ في العالم العربي من الأرجح أنه سوف يستمر. من المهم إذاً، أن يفهم الجانبان بعضهم البعض الآخر وأن يتوصلا إلى بعض الوضوح حول ما يمكن أن يتفقا عليه، وأين يمكن لهما أن يظلوا على خلاف، وعما إذا كانا سيتعلمان التعايش مع خلافاتهما بالترافق مع تطويرهم لعلاقة بناءة. وهكذا، قررنا نشر جوابً عامً حول هذه التساؤلات، مُركزّين من خلاله، ليس على ما يُفترض على الأحزاب الإسلامية أن تفعله، بل على شرح ما نعتقد أنه السبب للشكوك الغربية في مصداقية هذه الحركات كمشاركين في الحياة السياسية الرسمية.
في العمل الذي قمنا به في مؤسسة كارنيغي، خلال السنوات القليلة الماضية، حاولنا أن نفهم ونشرح بدورنا لصُنّاع السياسة والمحللين الغربيين، كيف تطور موقف الحركات الإسلامية التي اختارت المشاركة في العملية السياسية في بلدانها، وكيف يواصل هذا الموقف تطوره. وسوف نحاول في هذا العرض القصير، أن نشرح للحركات الإسلامية أسباب الارتياب المزمن إزاء الحركات الإسلامية لدى الغرب. سوف لن نتطرق إلى كافة أسباب الارتياب، أي أننا سوف نتجاهل الحجج القائمة على الجهل وعلى الأفكار المُسبقة حول الإسلام والحركات الإسلامية، من حيث أنه ليس هناك الكثير مما قد يتوجب علينا شرحه في ذلك المجال. غير أننا سنسعى إلى تناول الأمور التي نعتبرها هواجس مُبررة. وقد قسّمنا ردنا إلى قسمين: القسم الأول، ندونه بالاستناد إلى وجهة نظرنا كباحثين يؤمنون بالمبادئ المستندة إليها النظم السياسية الليبرالية الديمقراطية، ونسعى فيه إلى شرح سبب استمرارنا بالشعور بأن هناك مسائل تبقى من غير جواب في مواقف معظم الحركات الإسلامية حول قضايا ذات أهمية جوهرية في النظام الديمقراطي، مثل مسألة المواطنة الشاملة. أما القسم الثاني من هذا العرض، فيتناول المخاوف الإضافية حول الحركات الإسلامية التي تُثيرها الحكومة الأميركية والحكومات الغربية الأخرى حينما تنظر إلى أدوار هذه الحركات في السياسة العربية.
في اعتقادنا أن هذه المحاولة لشرح وجهات نظر باحثين مقيمين في الغرب حول مشكلة ما للجمهور في الشرق الأوسط تُعبّر بصورة نموذجية عن الرؤية الجديدة التي تؤمن بها مؤسسة كارنيغي في القرن الحادي والعشرين. أي أن لا تزوّد صُنّاع السياسة والمحللين الأميركيين بالمعلومات والأفكار حول المناطق الأخرى في العالم فحسب، بل وأيضاً تؤمّن لصُنّاع السياسة والمحللين في مناطق أخرى من العالم التفهم الأفضل لطبيعة النقاشات حول قضايا السياسة العالمية في الولايات المتحدة والغرب.
|
 |
الخوف من المجهول قبل التطرق إلى الأسباب المحددة للريبة المتبقية لدى الغرب ازاء الحركات الإسلامية، من الهام بمكان أن نتذكر ان مثل هذه الريبة قد أحاطت، تاريخياً، بظهور كافة الأحزاب والحركات السياسية ذات المعتقدات ذات الجذور الدينية. فالخوف من الإسلاميين ليس شأناً محصوراً بها على الإطلاق. إذ عندما تشكلت في أواخر القرن التاسع عشر، أول المنظمات الديمقراطية المسيحية، ومعظمها كان ينحى في المنحى الكاثوليكي، رأى فيها الكثيرون منظمات خطرة تسعى إلى قلب الأنظمة السياسية المستتبة، والى فتح الطريق أمام سيطرة الكنيسة الكاثوليكية. ومثلها مثل الإسلاميين اليوم، كانت الأحزاب الديمقراطية المسيحية، مُتهمة بالسعي إلى استغلال العمليات السياسية الديمقراطية بهدف الوصول إلى السلطة لكي تحقق مخططاتها للرجوع عن الديمقراطية متى أمسكت بزمام السلطة.
أمّا المخاوف من الأحزاب الديمقراطية المسيحية فقد انحسرت منذ زمن بعيد في الغرب كنتيجة للتجارب معها. فقد تنافست الأحزاب الديمقراطية المسيحية بالطرق الديمقراطية في العديد من البلدان لعقود خلت، وفازت في انتخابات، وتربعت في السلطة في بعض منها. لكنها واصلت على الدوام احترام العملية الديمقراطية، فنظمت الانتخابات بوتيرة منتظمة، وتنحّت عن السلطة عند هزيمتها فيها.
والحقيقة أن الأحزاب الإسلامية تُشير أحياناً إلى أن اندماج الديمقراطيين المسيحيين في أوروبا يعد بمثابة دليل على أن الحزب ذي المرجع الديني يمكن له أن يكون لاعباً ديمقراطياً حقيقياً. إلاّ أن التشبيه هذا لم يُختبر بالفعل: فالحركات الإسلامية لم تمتلك حتى الآن غير سجل يسيرً من النشاط كأحزاب مشاركة في العملية السياسية. والواقع، أن هذه الأحزاب لا تملك أي سجل على الإطلاق في بلوغ السلطة بطريقة ديمقراطية إلا في تركيا وفلسطين، حيث لا زالت تجربتها حديثة العهد. أمّا في غيرها من الأماكن الأخرى التي تَسلّم فيها الإسلاميون السلطة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، أي لدى النظام الإيراني والحكومة السودانية أو حكومة الطالبان، فلم يصل هؤلاء إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، وبالطبع، فإنهم لم يحكموا بطريقة ديمقراطية.
وفي عدد أخر من البلدان العربية، شاركت بعض الحركات الإسلامية، التي تنافست أحياناً في انتخابات ديمقراطية (مثل "حركة مجتمع السلم" الجزائرية، وجماعة الإخوان المسلمين في الأردن) في الحكومات بمثابة شركاء ثانويين في تلك الحكومات. بل أن حزب العدالة والتنمية في المغرب من الممكن أن يقود بنفسه حكومة ائتلافية بعد الانتخابات النيابية القادمة. غير أن المشاركة الإسلامية في السياسة ظلّت محصورة، في العادة، ضمن صفوف المعارضة. والحقيقة أن الهدف الأساسي لمعظم الحركات الإسلامية في العالم العربي ليس الحكم المباشر (على الأقل في المدى القصير)، وإنما يتمثل في تحقيق وحماية حضورها السياسي عبر المشاركة في الانتخابات والتمثيل في الهيئات التشريعية.
وعلى الرغم من السجل المحدود للإسلاميين كلاعبين سياسيين، ثمة بعض الأدلة التي تشير إلى أنهم احترموا القواعد التي تحكم مشاركتهم في العملية السياسية. وحتى في الحالات التي اعتمدت النظم الحاكمة بها قواعد صارمة وغير منصفة، كما في مصر والجزائر، فقد اختارت الحركات الإسلامية أن تنصاع لهذه القواعد. وإلى ما هو أبعد من ذلك، فإن الإسلاميين يشاركوا في الهيئات التشريعية بصورة جدّية، ويتميزوا في الواقع في هذا الصدد عن المؤسسات الحاكمة وأحزاب المعارضة العلمانية. تعد الحركات الإسلامية، سواء في البرلمانات القومية أو في المجالس البلدية، وحتى تلك غير المعترف بها كأحزاب كما في مصر والكويت، من اللاعبين السياسيين المنضبطين الذين يستخدمون كافة الأدوات المتاحة للتأثير بصورة سلمية على مخرجات العملية السياسية الرسمية.
ورغم ذلك، يبقى علينا أن نعتبر أن سجل الحركات الإسلامية في السياسة الديمقراطية لا زال غير قاطع، من حيث أن الأمثلة عليه قليلة كما أنها حديثة العهد لدرجة لا تسمح باستخلاص الكثير من العبر. وليس في هذا اتهام مُوجّه إلى الحركات الإسلامية، بل هو مجرد وصف واقعي لمعضلة وشكوك أولية على كافة المنظمات السياسية حديثة العهد مواجهتها.
|
 |
نواحي الالتباس في موقف الحركات الإسلامية علاوة على الشكوك التي تحيط، بوجه حتمي، بالحركات الإسلامية ذات السجل المحدود زمنياً من المشاركة في الحياة السياسية الرسمية، هناك صعوبة أعمق بكثير يواجهها حتى من يجتهد بموضوعية وحياد من بين الباحثين لفهم مواقف الحركات الإسلامية بالنسبة لعدد من القضايا الجوهرية. ففي بحثنا الذي يحمل عنوان: "الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي: استكشاف المناطق الرمادية"، أوجزنا ست نقاط من الالتباسات تتصل كل واحدة منها بمجال محدد في دنيا الإسلاميين الفكرية والسياسية الحركية: تطبيق الشريعة؛ العنف؛ التعدّدية السياسية؛ الحريات الفردية؛ الأقليات؛ وحقوق المرأة.
تلقّينا العديد من الردود من نشطاء إسلاميين تسعى إلى دحض الأفكار القائلة بأن هناك نواحي من الالتباس في مواقفهم، ونود أن نشرح في هذه الورقة البحثية، من ناحية أولى، لماذا نعتقد أن مواقف الحركات الإسلامية حول هذه القضايا تبقى ملتبسة. ومن ناحية ثانية، سوف نشرح لماذا تبقى هناك حاجة إضافية لتوضيح هذه المواقف للجمهور الغربي. ليس الهدف من المطالبة بإجلاء المواقف هو بلوغ وجهات نظر متطابقة، إنما الهدف هو الرغبة في فهم ما إذا كانت مواقف الحركات الإسلامية منسجمة فعلاً مع القيم التي تُعتبر مركزية في التقاليد الليبرالية الغربية، كما مع فهمنا لما تعنيه الديمقراطية كفكرة ونظام.
سوف نُركزّ تحليلنا على حركة إسلامية واحدة، أي الإخوان المسلمين في مصر، لكي نكون أكثر تحديداً مما كنا عليه في البحث الأصلي الأوسع. إننا لا نعتقد أن الإخوان المسلمين في مصر حركة غامضة على وجه التخصيص، فالواقع أن بعض القضايا التي سوف نُركزّ عليها هي مشتركة بين جميع الحركات الإسلامية الأخرى. لكن، ما دامت لكل حركة خصوصيتها، فإننا نعتقد أن التركيز المُحدّد سيساعد في ضبط وتدقيق التحليل.
|
 |
نموذج جماعة الإخوان المسلمين المصرية أظهر الإخوان المسلمون في مصر اهتماماً متزايداً بالمشاركة في العملية السياسية منذ العام 2003. ففي حين نشطت الحركة بصورة متقطعة في السياسة الانتخابية في الماضي، إلا أن مشاركتها مؤخراً أمست ملموسة أكثر وناجحة بدرجة أكبر بكثير مما كان عليه الحال في الثمانينيات والتسعينيات، وذلك نتيجة الجهود الهائلة للجماعة في التنظيم والتخطيط. في سنة 2005، فاز الإخوان المسلمون بعشرين بالمئة من مقاعد مجلس الشعب المصري (المجلس التشريعي المنتخب في البرلمان المصري)، فأصبحوا بذلك الحركة المعارضة الأقوى التي تتحدى نظام الحكم شبه السلطوي للرئيس حسني مبارك. وعلى الرغم من القمع الحكومي المستمر والعقبات البالغة التعقيد التي خلقتها البيئة السياسية الداخلية وعلى الرغم من وضعيتهم كجماعة محظورة منذ 1954، تمكن الإخوان المسلمون خلال السنوات الأخيرة من صياغة برنامج سياسي أعطى الأولوية لمشاركتهم كحركة معارضة ضمن الهيئات التشريعية. دعت جماعة الإخوان النظام الحاكم مراراً إلى نقل السياسة المصرية إلى مجال أبعد من مجرد التعددية المحدودة القائمة منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال إدخال إصلاحات ديمقراطية جوهرية. ترك الإخوان جانباً، إن لم نقل تخلّوا تماماً عن، أهداف إقامة دولة إسلامية من أي نوع كان ولا تراودهم كثيراً أحلام استلام الحكم أو الاستيلاء على السلطة لإنجاز تغييرات ثورية في المجتمع والسياسة. جماعة الإخوان هي حركة معارضة تصارع بالأساس لتوسيع مساحات مشاركتها في العملية السياسية الرسمية واتقاء شر ضربات النظام القمعية.
على الرغم من خطاب الإخوان الديمقراطي وممارساتهم الديمقراطية، فقد أثارت مشاركتهم المتنامية منذ العام 2003 الريبة لدى مؤسسات النظام، وكذلك لدى الأحزاب المعارضة غير الدينية (الليبرالية واليسارية). أمّا ارتياب نظام الحكم فلا يدعو إلى العجب: فالإخوان المسلمون يشكلون تحدياً لسلطة النظام وهناك تاريخ طويل من الصراع والمواجهة وعدم الثقة بين الطرفين يعود على الأقل إلى 1954. لكن الارتياب السائد لدى السياسيين والمثقفين العلمانيين لا يمكن شرحه بسهولة دون الإشارة إلى الالتباس في مواقف الإخوان أنفسهم، والى التساؤلات الجوهرية التي تركتها الحركة حتى الآن دون جواب.
وقد اكتسبت حقيقة وجود هذه التساؤلات غير المجاب عنها أهمية سياسية ضاغطة في الآونة الأخيرة. فخلال الأشهر القليلة الماضية، استخدم النظام حوادث مختلفة لإثارة الشكوك لدى المواطنين المصريين حول مدى التزام الإخوان بالعمل السلمي وحول الأهداف النهائية من مشاركتهم في العملية السياسية. ثمة ثلاثة أمثلة يجدر بنا ذِكرها: إعلان المرشد العام، محمد مهدي عاكف، خلال حرب لبنان 2006 بأن الإخوان كانوا يرغبون في إرسال 10،000 مقاتل إلى لبنان لمساعدة حزب الله؛ والتظاهرة التي نظمتها مجموعة من طلاب الإخوان المسلمين في جامعة الأزهر وغطوا خلالها وجوههم بأقنعة سوداء في كانون الأول/ديسمبر 2006؛ وسلسلة من البيانات الملتبسة التي أدلت بها شخصيات قيادية في الحركة حول الوضع القانوني للأقباط المصريين وحقوقهم السياسية. في كافة هذه الحالات الثلاثة، استطاع النظام إطلاق حملة إعلامية فعالة لإعادة إحياء الشكوك حول الدوافع "الحقيقة" للمشاركة السياسية للإخوان: هل تخلّت المنظمة فعلاً عن إرثها العسكري العائد إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي؟ هل ترغب فعلاً في قبول كامل حقوق المواطنة للمسلمين والمسيحيين دونما تمييز؟ بل أن النظام طّور، خلال الأشهر الماضية، خطاباً كاملاً حول مفهوم المواطنة المدنية يقوم على تحدٍّ ضمني (وأحياناً صريح) لإرث الإخوان. وسواء كانت هذه الشكوك مُبرّرة أم لا، فقد تركت صدى لدى عامة الناس كنتيجة لعدم قدرة جماعة الإخوان المسلمين على توضيح نقاط الغموض في مواقفها.
منذ أسابيع قليلة، تعرضت هذه المواجهة للتصعيد عندما أعرب النظام المصري عن عزمه تغيير قانون الانتخاب المعمول به في البلاد من النظام الفردي إلى نظام التمثيل النسبي استناداً إلى قوائم حزبية. فمن شأن النظام الجديد أن يصب في مصلحة الأحزاب المعترف بها قانوناً والقادرة على تقديم قوائم انتخابية ويصعب كثيراً من مهمة المرشحين المستقلين. وبما أن الإخوان المسلمين ليسوا حزباً، وبما أن جميع أعضائهم في البرلمان انتخبوا كمستقلين، فإن التغيير سوف يعني ضربة قوية موجهة لوجودهم في البرلمان. ردّت الحركة بإعلان عزمها على تطوير برنامج لتشكيل حزب سياسي. لكن التخطيط لتشكيل حزب، حتى ولو كان من النوع الذي قد لا يحصل على اعتراف رسمي، يتطلب رسم برنامج حزبي متكامل، وهذا سوف يفرض على الإخوان المسلمين أو—بإيجابية—ربما أتاح لهم التعامل مع التساؤلات التي مازالت إجاباتها غائبة.
أسئلة بدون إجابات: أين يقف الإخوان اليوم
الشريعة: على الإخوان المسلمين، من أجل البدء في تبديد الشكوك، توضيح موقفهم من الشريعة الإسلامية. ليس باستطاعة الإخوان، بالطبع، التخلي عن الشريعة أكثر من استطاعة تخلي الأحزاب الديمقراطية المسيحية عن جذورها المسيحية. لكن بإمكان الإخوان تهدئة العديد من المخاوف فيما لو صاروا أكثر وضوحاً بالنسبة لمبادئ الشريعة التي يعتبرونها جوهرية، وبالنسبة للعملية القانونية أو الدستورية التي يقترحونها للتأكد من أن القوانين لا تنتهك تلك المبادئ. ففي الأنظمة الديمقراطية الدستورية، تضمن شرعية القوانين ثلاثة عوامل: الإجراءات الديمقراطية المعلنة بوضوح لكيفية استصدار القوانين؛ توافق القوانين المعمول بها مع مجموعة المبادئ الحاكمة التي يتضمنها الدستور؛ ووجود مؤسسات راسخة (مثل المحاكم الدستورية) قادرة على اتخاذ القرارات في ما إذا كانت قوانين مُعيّنة تتوافق أم لا مع المبادئ المنصوص عليها في الدستور.
موقف الإخوان حول احترامهم للإجراءات الديمقراطية في السياق التشريعي واضح ولا يحتاج في رأينا إلى أي شرح إضافي. فقد أثبت أعضاء الإخوان في مجلس الشعب أنهم يحترمون الإجراءات الديمقراطية وربما في أحيان كثيرة على نحو أفضل من الحكومة القائمة. لكن موقف الإخوان يبقى غير واضح فيما يخص عدم المسّ بالمبادئ العليا للشريعة وفيما يتعلق بآلية تقرير ما إذا كان قانون ما ينتهك تلك المبادئ. فالرجوع إلى عموم الشريعة لا يمكن ان يُلبّي الحاجة إلى الوضوح، إذ أن الشريعة ليست مجرد مجموعة قوانين أو وثيقة مُدونة يستطيع أي كان أن يرجع إليها؛ بل هي مجموعة من الأنظمة والتفسيرات تمّ تطويرها طيلة حقبة دامت ثلاثة عشر قرناً وفي سياق مدارس فقهية مختلفة. زد على ذلك أنه من غير الواضح هوية ووضعية المؤسسة التي تملك سلطة تقرير ما إذا كانت قوانين بعينها متوافقة مع الشريعة؛ هل سيلعب البرلمان هذا الدور أم المحكمة الدستورية العليا أم ستشكل هيئة خاصة؟ وفي الحالة الأخيرة ما هي هوية أعضائها وهل سيعينون أم ينتخبون؟ على كل هذه الأصعدة تتعدد بل وتتضارب الأصوات الإخوانية ويبقى الارتياب سيد الموقف.
خلال السنوات الماضية، أدخل الإخوان المسلمون في مصر، على غرار العديد من الحركات الإسلامية الأخرى، تحولاً حاذقاً في مصطلحاتهم. فهم لم يعودوا يدعون إلى "تطبيق الشريعة"؛ بل يشددون، عوضاً عن ذلك، على أنهم "حركة مدنية ذات مرجعية إسلامية" تقبل بالتالي الطبيعة المدنية للنظام السياسي وتسترشد في مشاركتها السياسية بتعاليم الإسلام وتسعى للاقتراب منها بإتباع الإجراءات الديمقراطية والدستورية. عدد من قياديي الجماعة يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيتحدثون عن "مقاصد" الشريعة قاصدين ضمناً أن وظيفة الشريعة هي الإرشاد العام (والمَرِن) للمشرع وليس تقديم مجموعة من الإملاءات القانونية الضيقة. مثل هذا التحول في المصطلح المستخدم يبين بوضوح مرونة محمودة في موقف الإخوان، إلا أنه غير كاف. كيف سيُحدّد الإخوان المسلمون متى تكون القوانين متوافقة مع المقاصد العامة للشريعة؟ هل سيُعهد بهذه المهمة إلى المؤسسات الدستورية كالهيئات التشريعية والقضاء؟ أم هل ستُمنح هذه السلطة، رسمية كانت أم غير رسمية، إلى رجال الدين؟ وفي حال ما إذا تمّ تبني قانون ما من خلال الإجراءات الديمقراطية يرى به الإخوان انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية، هل ستكتفي الحركة باللجوء إلى فنون الإقناع الديمقراطي لتغيير النتائج؟ هل بإمكان الإخوان التمييز بين ما يُفضّلونه هم (أي التفسيرات التي يجب أن ينصاع إليها الذين يتبعون تعاليم ومواقف الجماعة) وبين العام من الأمور الهامة لعموم المصريين؟ يرتب عدم قدرة الحركة على الإجابة على هذه الأسئلة بصورة قاطعة ذيوع للشكوك عديدة محلياً وخارجياً.
الهوية السياسية والدينية المزدوجة: هناك قضايا أخرى تُثير الارتياب حول مدى وحدود التزام الإخوان بالقواعد الديمقراطية. فمقارنةً مع معظم الحركات الإسلامية في العالم العربي، حافظ الإخوان على هويتهم المزدوجة، أي كحركة دينية وكلاعب سياسي في آنٍ واحد، وتحت مظلة تنظيمية واحدة. إننا نُدرك أن هذا الأمر لم يأت كنتيجة اختيارات الإخوان؛ فنظام الرئيس مبارك مازال على رفضه السماح للإخوان بالخروج من وضعية الجماعة المحظورة قانوناً كما يرفض مبادرات تسجيل أحزاب إسلامية حتى وإن جاءت من خارج الإخوان كما في حالة مبادرة حزب الوسط. لكن الإخوان، من جهتهم، ظلوا لفترة طويلة لا يرغبون في توضيح ما إذا كانوا يعتقدون أن من المرغوب فيه تأسيس حزب سياسي، وفي حال الإيجاب، إلى أي حد سوف يُمنح هذا الحزب استقلالية ذاتية في علاقته بالجماعة.
إن غياب الفصل بين هاتين الهويتين، من وجهة نظرنا، يدعو إلى القلق. فالحركات الدينية، من حيث التعريف، تتعامل بالمبادئ المطلقة: قضايا الخير والشر، الحق والباطل، أو باختصار القضايا الإيمانية. لهذه الحركات الحق في مطالبة أعضائها بالامتثال والانضباط طالما كانت العضوية فيها اختيارية. أما الأحزاب السياسية فهي كيانات مدنية تتخذ أو على الأقل تشارك في اتخاذ قرارات تتعلق بالمصلحة العامة. ولذلك عليها، والحالة هذه، احترام المبادئ العامة المتفق عليها في المجتمع المعني، وهذا هو سبب امتلاك الأنظمة الديمقراطية لدساتير. تحتاج الأحزاب السياسية كذلك، طالما أنها تشارك في حياة سياسية تعددية، لاحترام التنوع في الطرح وقبول الاختلاف في الرأي والقدرة على تقديم تنازلات وقبول تسويات مع الشركاء الآخرين بهدف صناعة التوافق العام. بل على الأحزاب السياسية قبل أي شيء آخر أن تبرهن على إتباعها لقوانين البلاد—حتى ولو لم تكن توافق على عدد منها—وعلى التزامها التام بأن المنهج الوحيد المتاح لتغيير تلك القوانين إنما يكون عن طريق الإجراءات الدستورية والقانونية الراسخة والمقبولة رسمياً. في هذا الصدد، ليس من المهم فقط أن تكون للحركة الدينية والحزب المنبثق عنها هويتان منفصلتان وحسب، بل وأيضاً أن يكون لكل منها استقلالية ذاتية كاملة وليس مجرد استقلال ذاتي شكلي. وبالعودة إلى المثال السابق، فقد أصبحت الأحزاب الديمقراطية المسيحية مقبولة في المجتمعات الأوروبية كلاعب سياسي عندما بات واضحاً أن قيادة هذه الأحزاب أصبحت تتخذ قراراتها باستقلالية وبمعزل عن تعليمات أو توجيهات من الكنائس التي يتبعها أعضائها.
التنظيم والقيادة: ثمة قضية ذات علاقة بمسألة الفصل بين الحركة الدينية والحزب السياسي، آلا وهي قضية الهيكلية التنظيمية والقيادية للإخوان المسلمين. فقد ترك الإخوان بصورة منتظمة التساؤلات المتعلقة بهيكليتهم السياسية دون جواب. ومما لا شك فيه، أن الوضع القانوني للإخوان كمنظمة محظورة واجهت مراراً وتكراراً القمع على يد النظام الحاكم، قد فرض عليها درجة عالية من السرية في تخطيط وإدارة نشاطاتها السياسية. على الرغم من ذلك فأن أية هيكلية تنظيمية تتصف بالكتمان البالغ تصبح مدعاة لإثارة الارتياب. كما أن حركة الإخوان لم تأخذ على عاتقها يوماً المحاولة بجدّية لشرح التنظيم الهرمي الداخلي للسلطة فيها، ولا لعملية صنع القرار داخلها. وهكذا، ظلت الصورة النمطية العامة للإخوان صورة حركة منظمة داخلياً بصورة غير ديمقراطية، على رأسها مكتب إرشاد يمتلك سلطات مُطلقة ويُملي القرارات حول كافة الأمور. مثل هذا الهيكلية قد تكون مقبولة بالنسبة لحركة دينية، والواقع أنه يعود إلى أعضاء الحركة المحدد تقرير ما إذا كان هذا هو ما يرغبون به. أمّا الفصيل السياسي، الذي يريد التأثير في الحياة السياسية، فهو شأن مختلف والتوقع الأبرز في هذا السياق هو بتماهي الفصيل المعني مع قيم وإجراءات الديمقراطية الداخلية. فالهيكلية المتكتمة للإخوان، والتي تبدو معها قيادتها الداخلية بمظهر سلطوي، تُثير الريبة حول مدى الالتزام الفعلي للجماعة بالديمقراطية استناداً إلى قاعدة فاقد الشيء لا يعطيه.
مفهوم المواطنة: في المجالين المتشابكين للمواطنة والوضع القانوني للأقباط، فإن موقف جماعة الإخوان المسلمين يبقى مدعاة لإثارة ارتياب إضافي. ففي التقاليد الديمقراطية الليبرالية، تفترض الديمقراطية صراحةً وجود مواطنة شاملة، أي المساواة الكاملة في الحقوق بين جميع المواطنين بصرف النظر عن الجنس، أو الدين، أو العرق. ولجميع المواطنين الحق في المشاركة في الشأن العام ضمن الحدود التي أقرّتها قوانين البلاد ودستورها. ثمة أسباب تدعو إلى التساؤل حول مدى التزام الإخوان المسلمين بمبدأ المواطنة الشاملة وذلك بسبب سيل من البيانات العلنية بهذا الخصوص صدرت عن شخصيات قيادية في الحركة وجاءت إما ملتبسة أو تمييزية بوضوح. فعلى الرغم من صفتي الانضباط ووحدة المواقف التي اتصفت بها بيانات الإخوان حول معظم القضايا العامة، إلاّ أنهم دأبوا على التحدث بأصوات متناقضة حول قضايا المواطنة. تبنى بضعهم علناً مبدأ الحقوق المتساوية للمسلمين والمسيحيين القائم على مبدأ المواطنة الشاملة وكذلك على الالتزام بالهوية المدنية للدولة المصرية. مثلاً، أعلن عبد المنعم أبو الفتوح، أحد الأعضاء القياديين في مكتب الإرشاد، مراراً في 2005 و2006 أن المسلمين والأقباط هم "شركاء في الوطن الواحد ولهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات." إلا أن غيره دعا صراحة إلى التمييز ضد الأقباط في الحياة العامة. فقد أعلن النائب الأول للمرشد العام، المهندس محمد حبيب في عام 2005 أنه يجب استثناء الأقباط من حق الترشّح لرئاسة الجمهورية. ثم عاد حبيب ليثير زوبعة جديدة منذ أسابيع قليلة عندما نشرت إحدى الصحف اليومية المصرية مؤخراً مقتطفات له يطالب بها بفرض ضرائب إضافية على الأقباط لأنهم لا يدفعون الزكاة كالمسلمين. وفي بلد مثل مصر، حيث يُشكل المواطنون الأقباط نسبة تتراوح ما بين 10 إلى 15% من السكان، تُعتبر إشارات الإخوان المتضاربة مثيرة للفزع الشديد. كما أنها تقلل كثيراً من صدقية إدعاء الإخوان بأنهم مع ضمان حقوق ديمقراطية متساوية لجميع أعضاء المجتمع. فما دام الإخوان يواصلون إصدار بيانات متناقضة حول المواطنة وحقوق الأقباط، فسوف يتم التعامل معهم بحذر إن من المصريين الذين يؤمنون بالديمقراطية أو في الغرب حكومات ومؤسسات بحثية.
وإذا حاول الإخوان بالفعل تأسيس حزب سياسي، فسوف تصبح حاجة هذا الحزب لتوضيح مواقفه إزاء الأقباط شأناً ملحاً. فقد استثنت الجماعة من صفوفها دوماً غير المسلمين، وهو في الواقع أمر اعتيادي ومقبول طالما بقي الإخوان حركة دينية في المقام الأول. لكن إذا رغب الإخوان في تشكيل حزب، فعلى هذا الحزب وبموجب قانون الأحزاب وقريباً بنص من الدستور المصري المعدل أن تكون عضويته متاحة أمام جميع المصريين بصرف النظر على انتمائهم الديني.
المرأة: يحتاج الإخوان المسلمون أيضاً إلى معالجة حقوق المواطنة بصورة أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالنساء. فهم يصرّحون دوماً بقبول حقوق المرأة ضمن الإطار الإسلامي. لذا سيكون عليهم، إن هم أرادوا تأمين صدقية أعلى في الداخل والخارج، أن يصبحوا أكثر تحديداً بكثير حول ما يعنيه ذلك. هناك العديد من القضايا المثيرة للجدل في كافة البلدان العربية فيما يخص حقوق المرأة، مثل حقها في منح جنسيتها لأطفالها إن اختلفت جنسية الأب، وفي الميراث، والقوانين المنظمة للطلاق، والسيطرة الذكورية على النساء ضمن الأسرة، والعديد من القضايا الأخرى. لا تكفي هنا البيانات العامة المتعلقة باحترام الإسلام للمرأة أو بضرورة معالجة كافة القضايا في إطار إسلامي لتهدئة الشكوك المشروعة.
هناك بكل تأكيد إمكانية للتعامل مع تلك التساؤلات وغيرها بطريقة ترضي في ذات الوقت كلا من المبادئ الغربية والإطار الإسلامي. فعلى سبيل المثال، حزب العدالة والتنمية المغربي أعلن أن قانون الأوضاع الشخصية الخاصة الجديد في البلاد—المدونة—والذي امُتدِح في الغرب على نطاق واسع يتوافق مع المرجعية الإسلامية. والإشارة إلى المرجعية الإسلامية في هذه الحالة لا تثير أية مخاوف في الغرب لأن القانون في ذاته يُشكِّل وثيقة قانونية مُحدّدة للغاية وواضحة. إن مثال النظرة الإيجابية لحزب العدالة والتنمية المستمدة من اعتماده للمدونة هو بمثابة تذكير بأن القبول الغربي بوجود الأحزاب الإسلامية كأطراف في الحياة السياسية الرسمية لا يتطلب منهم سوى الموافقة على أكثر التفسيرات عموميةً لحقوق المرأة ومساواتها بالرجل. فمضامين ما تشكله حقوق الرجل والمرأة في أي مجتمع هي في حالة تطور مستمر، كما أن حدود تفسيرها تختلف بين بلد وآخر حتى في داخل المنظومة الغربية.
الموقف الدولي
لقد ركزّنا حتى الآن في مقاربتنا التحليلية على قضايا داخلية ترتبط بفكر وبرامج جماعة الإخوان في مصر وبتعاطيها مع البيئة السياسية هناك. وقناعتنا هي أن غياب الوضوح عن عدد من المواقف الإخوانية، وبعيداً عن أراء غربية تقتضي أحياناً ضرورة التماثل التام بين الحركات الإسلامية والتقاليد المعمول بها في الديمقراطيات الغربية، حري بأن يثير الشكوك حول مدى التزام الجماعة بالقواعد الديمقراطية.
غير أن موضوعية الطرح تقتضي أيضاً الإشارة إلى أن القبول الغربي للحركات الإسلامية لا يتوقف فقط على المواقف التي تتخذها هذه الحركات حول القضايا الداخلية فقط. فربما كان الهاجس الأكبر للحكومات الغربية يرتبط على وجه التحديد بما إذا كانت الحركات الإسلامية قادرة على التعامل بسلمية وإيجابية مع المنظومات الحاكمة للعلاقات الدولية والإقليمية. ففي حين تثير نشاطات الجماعات الراديكالية العنيفة لدى الرأي العام في الغرب المخاوف من شبح تنظيم القاعدة، يوجّه أغلبية صُنّاع السياسة في الغرب اهتمامهم نحو مسائل أكثر واقعية. وفيما يخص جماعة الإخوان المسلمين في مصر، يدور الهاجس الحكومي الغربي الرئيسي في مجال العلاقات الدولية والإقليمية حول ما إذا كانت الجماعة، أو الحزب الذي قد تشكله، سيلتزم حال وصوله إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع بالاعتراف بما أبرمته مصر من معاهدات واتفاقيات دولية.
الأمر الذي لا مفر من اعتباره الأهم في هذا السياق، يتمثل في التساؤل حول ما إذا كانت حكومة يسيطر عليها الإخوان المسلمون أو يؤثرون في قراراتها بوضوح سوف تقبل وتواصل الالتزام باتفاقية كامب ديفيد الموقعة مع إسرائيل ولا تتراجع عن الاعتراف بها وعن العلاقات الدبلوماسية القائمة معها. إن كون العديد من الحكومات العربية، بما فيها تلك الموالية للغرب في المملكة العربية السعودية ولبنان على سبيل المثال، لا تعترف بإسرائيل لا يجوز أن يقود الإخوان المسلمين إلى التوّهم بان أي تحرك من جانب حكومة يشاركون بها نحو التخلي عن المعاهدة المذكورة ومن ثم قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل لن يرتب ردود أفعال غربية صاخبة.
ومن المؤكد أن ما هو أكثر إلحاحاً يعود إلى تقصير الإخوان في توضيح موقفهم فيما يتعلق بالاعتراف بكافة المعاهدات التي وقعتها الحكومات المصرية المتعاقبة. ليست الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل هي بمفردها موضع البحث والاهتمام الحكومي الغربي. فقد صادقت الحكومة المصرية على العديد من الاتفاقيات الدولية. وعلى وجه التحديد، صادقت الحكومة المصرية على الاتفاقية الدولية لمنع كافة أشكال التمييز العنصري (1967)؛ واتفاقية منع كافة أشكال التمييز ضد المرأة (1981)؛ والمعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية (1982)؛ والمعاهدة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (1982)؛ واتفاقية منع كافة أشكال التعذيب وغيرها من أشكال المعاملة أو العقاب الأخرى الوحشية وغير الإنسانية المُهينة (1986)؛ واتفاقية حقوق الطفل (1990). هذه الاتفاقيات والمعاهدات لا تطابق في حالات كثيرة بصورة فعلية من جانب الحكومة المصرية، بل أنها للأسف الشديد ليست محترمة في معظم البلدان العربية. على الرغم من ذلك، فإن أي توجه إخواني نحو رفض الالتزامات الدولية للدولة المصرية بافتراض تشكيلهم أو تأثيرهم في حكومة منتخبة ديمقراطياً—وهو اليوم حلم بعيد المنال في مصر—سوف يساهم إلى حد كبير في نزع الشرعية عن الإخوان المسلمين دولياً.
القضية الأقل خطورة نسبياً، ولكنها تبقى هامة ولجماعة الإخوان مصلحة حقيقية في توضيحها، تعود إلى موقفها من القضايا الاقتصادية. فخيارات السياسات الاقتصادية، وبوجه خاص في حاضرنا المُعولم، لم تعد مجرّد خيار سياسي محلي؛ ذلك أن أي تغيير في السياسات الاقتصادية في بلد ما يؤثر على اللاعبين الخارجيين، وعلى وجه التخصيص على أولئك الذين وظفوا أموالهم في بلد ما أو يرتبطوا معه بعلاقات اقتصادية وتجارية.
البرنامج الاقتصادي للإخوان، كما تمّ رسمه مثلاً في المبادرة الإصلاحية لعام 2004 وفي البرنامج الانتخابي لعام 2005، يبدو متضارباً على نحو ملفت للنظر. فمع أن الإخوان فضّلوا تقليدياً وبالعودة إلى المرجعية الإسلامية اقتصاد السوق، فإنهم حافظوا على مساحة واسعة من الغموض فيما يتعلق ببرامج الخصخصة التي ترعاها الحكومة في مصر. بل هم صاغوا خطاباً شعبوياً واضحاً ينتقد بعنف بيع القطاع العام والتخلي عن الملكية العامة للدولة. بل أن بعض أكثر الشخصيات الإخوانية نفوذاً في المساحة العامة، مثل د. عصام العريان ود. عبد المنعم أبو الفتوح استخدموا مفردات يسارية واضحة اتهمت نظام مبارك بخيانة الأكثرية المحرومة والمهمشة في مصر وبالانقلاب على مكاسب الحقبة الناصرية في مجالات الخدمات والمرافق العامة.
والشأن الآخر الداعي إلى ارتياب المراقب الخارجي حين النظر إلى البرنامج الاقتصادي لجماعة الإخوان يتمثل في أنها سعت على الدوام إلى التوفيق بين إيمانها باقتصاد السوق وبين مبدأ العدالة الأصيل في الفكر الإسلامي. فمحاولة التوفيق بين الحرية الاقتصادية والعدالة لم تدفع الحركة إلى مجرد إنشاء شبكات خاصة من الخدمات الاجتماعية أو الدخول في مجادلات حول ملامح الاقتصاد الإسلامي وحسب، بل وأيضاً إلى القناعة أن من واجب الدولة نشر العدالة والتعويض عن عدم المساواة التي يخلقها اقتصاد السوق عبر أدوات واستراتيجيات مختلفة من ضمنها الملكية العامة. هذه الرسائل المتضاربة ولّدت البلبلة والهواجس لدى العديد من الدوائر الحكومية والمالية في الغرب، بل وبين المستثمرين المصريين أنفسهم، وهي بالتالي تحتاج إلى توضيح المقصود كأهداف وتحديد المتبع من الوسائل.
مواصلة الحوار
اننا ندرك، والمعالجة التحليلية المقدمة فيما سبق من أسطر حول أسباب النظر إلى الحركات الإسلامية بارتياب في الغرب وحول التساؤلات غير المجاب عنها، أن الإسلاميين يواجهون تحديات صعبة للغاية. فحركاتهم لا تعمل ضمن أنظمة ديمقراطية؛ كما أن القليل من الفاعلين السياسيين في العالم العربي، إن لم نقل جميعهم، سواء أحزاب حاكمة أو معارضات، لا تمتلك هيكلية ديمقراطية داخلية وحدود تسامحها مع أصحاب الرأي الأخر ما لبثت في حدودها الدنيا. بعبارة أخرى، قليلة هي الحكومات العربية التي تلبي المعايير التي يتم على أساسها النظر إلى الإسلاميين، كما أن معظم الأحزاب العلمانية المعارضة لن تلبّي كذلك هذه المعايير عند الاختبار.
غير أن السؤال الذي يُطرح علينا دائماً يدور حول ما الذي تحتاج الحركات الإسلامية إلى عمله لكسب المصداقية لها في الغرب. وتأسيساً على ذلك، فقد ركزّنا على ما نعتبره القضايا الداخلية والخارجية المسببة للارتياب في مواقف تلك الحركات.
إننا نرى في هذا الرد مجرد بداية لحوار نؤمل في أن يقود، في نهاية المطاف، إلى وضوح أكبر وصراحة أعمق من كافة الجهات.
|
