غادر السياح، حلّت عصابات الخطف ومافيات اللصوص، والفلتان على غاربه، من الشمال الى الجنوب. غابة السلاح تتمدد، ويسألون عمّن يحجب الغطاء السياسي عن قوة الشرعية، لتمنع تفجير براميل البارود.

هو لبنان الذي لا يلبث أن ينجو من أزمة مدمّرة حتى يدخل في نفق أسود. انقسم اللبنانيون على سورية، انتقلت الشرارة الى أرضهم، ازدهرت «أدبيات» السياسة المذهبية- الطائفية... ذبُلت شرايين الاقتصاد التي لا تنفع معها غرفة إنعاش تنتظر عائدات النفط الموعود.

قبلها، يتبادل كثيرون تلك الدعابة السوداء حول الحاجة الحتمية الى كمٍّ من مؤتمرات الوفاق التي يمكنها منع حروب أمراء السياسة، لاقتسام الحصص النفطية.

قبلها، فلننتظر «الإجماع» على دفن «جنين» مشروع اللقاء الأرثوذكسي للقانون الانتخابي، والذي قيل الكثير حوله، وكيل الكثير من الشتائم دفاعاً عنه أو لقتله. يكفي الذين يعشقون ابتكارات قاموس السياسة في لبنان، الاستماع الى بدعة «الإجماع على الأرثوذكسي الجيد... ذي التداعيات السلبية» على وحدة البلد ومصيره (!) فيما عواصف «الربيع العربي» تضجّ من حوله، وتتسلّل الى شوارعه.

مجرد «جنين» قانونٍ أعاد لبنان و «أمراء» السياسة الى مناخات الاصطفاف المذهبي والطائفي وحديث الفيديراليات والمناصفة وورقة المثالثة، واستنفار العصبيات دفاعاً عن الحقوق المهدورة. تعود الدعابة السوداء الى ما قبل القرار 1559، حين لم يكن أي زعيم لبناني- بالأحرى الغالبية في قيادات القوى السياسية- بحاجة إلى ما هو أكثر من زيارة لدمشق، لاستكشاف بوصلة القرار. ضيّع الجميع البوصلة رغماً عنهم، وبفعلٍ سوريٍّ محض... ضاع اللبنانيون في زواريب ساستهم، لا يجدون في «تغريدات» كثيرين سوى ما ينضح تحريضاً على عنصرية بائسة، كشفت مجدداً زيف كعكة ديموقراطية الطوائف.

بين هؤلاء من يحرِّض على خصم سياسي ثم يشكو التحريض والشتائم. بعضهم في الحكم ويسأل عمَّن يحجب الغطاء السياسي عن الجيش وقوى الأمن التي يُفترض أن تكون قادرةً على ضرب عصابات خطفٍ ومافيات لصوصٍ ترتع في بيروت ومعظم المناطق. أما الضحية فلا تسأل الدولة عن «هيبتها»، لعلها ايضاً تنأى بنفسها عن الشارع، والأزمات المعيشية كما نأت بها عن ضبط الحدود.

«الأرثوذكسي» جنين وحيد، أثار سباقاً على جنون الهواجس، فحين يصبح لكل مذهب نوابه، لا بد أن يستتبع ذلك السؤال عن رئيسه، ولمن الحكم كشرعية، للمذهب أم لدستور الجمهورية... ومَنْ سينتخب رئيس المجلس النيابي، ومن سيدوّر الزوايا مِن بعده، رغم سقطة التصويت العاجل في اللجان المشتركة والتي لم تُسعِف صحّة الجنين.

يبشروننا، رأفة بلبنان، أن دفن الجنين الذي يستفز رياح «الربيع»، بات قريباً... ما دامت الولادة شبه مستحيلة. ولكن مَنْ يعالج مخاوف الأقليات؟ المثير أن مَنْ يطرحون السؤال بـ «براءة» تناسوا أنهم هم أنفسهم تجاهلوا أو تعاطفوا صمتاً مع حملات الاستعلاء على الآخر في الداخل والخارج، وتجاهلوا أن أبسط مبادئ الديموقراطية ونُظُمِها السياسية هو المساواة بين المواطنين.

الذين ضيّعوا البوصلة سيزعمون دائماً أنهم ليسوا في حاجة الى دروس من «الربيع العربي»، وأن لبنان مختلف... وهو مختلف حتماً، لأن جنون العظمة لدى بعض ساسته، يغمض عيونهم عن حال الانهيار المخيف في أداء الدولة، وشلل اقتصاد وإفلاس مؤسسات، وموسم هجرة من ثوابت الدستور... ووطن تكرهه غالبية ساسته.

ألم تكن سورية «مختلفة» ايضاً؟... فلنستعد البوصلة وهذه المرة من طهران، لمَ لا ما دامت «نووية»، والجميع يخشون «حلف الأقوياء»؟ فلنُغمض عيوننا الى حين، لعل صفقة تأتي من اللقاء «السياسي» المرتقب في الربيع بين إيران و «الكبار»، تحصننا من زلازل المنطقة، إذا ثُبِّت لبنان حصة لنفوذ طهران.

وهل أفضل من عراق المالكي حالاً، نتمناها لفردوس الطوائف الفيديرالية في لبنان؟! ألا نثير غيرة الديموقراطيات العريقة في الغرب التي لم تتعلم بعد أبجدية تحديث النظم عبر اختراع قانون انتخابي لكل دورة اقتراع... أو كلما غرّد واحد من قادتنا، محلِّقاً على جناح الطوائف، يفتش نهاراً عن الدولة، ويَدُكُّ سلطتها ليل نهار.
 

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.