في 3 يونيو 1992 نشرت جريدة" النور" الناطقة بلسان بعض التيارات الدينية في مصر بياناً من جبهة علماء الأزهر يكفر فيه المفكر المصري الراحل فرج فودة.

المفكر الراحل الذي كان سابقاً لعصره، ومتوقعاً ما سيحدث في المنطقة حالياً، ومتنبئاً بكافة الوقائع التي شهدتها مصر وإيران والسودان ودول المنطقة ومن بينها بروز التيارات المتطرفة ووصولها للحكم في مصر وبعض دول المنطقة، وإنشاء ما يسمى بالدولة الإسلامية "داعش" كان على خلاف فكري ومنهجي مع هذه التيارات فقد كشف حقيقة أفكارها، وممارساتها وتوظيفها للدين من أجل القفز على الحكم والوصول للسلطة بشكل أضر بالدين والدنيا معاً.

فرج فودة

بعد نشر هذا البيان بـ 5 أيام وفي 8 يونيو قبل أيام من عيد الأضحى، انتظر شابان من الجماعة الإسلامية، هما أشرف سعيد إبراهيم، وعبد الشافي أحمد رمضان، على دراجة بخارية أمام مكتب المفكر المصري الراحل بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة، وفور خروجه في تمام الساعة السادسة والنصف مساء بصحبة ابنه أحمد وصديق له يدعى وحيد رأفت، وتوجههم جميعاً كي يستقلوا سيارة فرج فودة، انطلق أشرف إبراهيم بالدراجة البخارية، وأطلق عبد الشافي رمضان الرصاص من سلاح آلي كان بحوزته، فأصاب #فرج_فودة بإصابات بالغة في الكبد والأمعاء، بينما أصاب صديقه وابنه إصابات طفيفة، وفر المتهمان هاربين.

بنات فرج فودة

من تشييع فرج فودة

شاهدة تروي واقعة الاغتيال

الراوية السابقة روتها أم نيرمين حارسة العقار الذي تعمل فيه منذ 35 عاماً لـ"العربية.نت" فقد شهدت الواقعة بنفسها، ورأت كيف سقط المفكر الراحل مضرجا في دمائه أمام عينيها.

وقالت إن سائق سيارة فرج فودة انطلق خلفهما وأصاب أحد المتهمين وهو عبد الشافي رمضان وتمكن من الامساك به، فيما فر الآخر هارباً.

في الوقت نفسه، كانت نيرمين ابنة حارسة العقار ترافق الدكتور فرج في سيارة الإسعاف التي حملته إلى أحد المستشفيات القريبة، وهناك حاول نقيب الأطباء السابق الدكتور حمدي السيد إنقاذ ما يمكن إنقاذة لكن القدر كان أسبق، فقد نزف فرج كثيرا وفقد الكثير من دمائه بعد إصابته بتهتك في الكبد والأمعاء حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

العقار الذي اغتيل أمامه فودة

مدخل العقار الذي شهد عملية الاغتيال

قاتل فودة: قتلته في الأضحى لأحرق قلب أهله عليه

وفي التحقيق مع عبد الشافي رمضان، أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى الدكتور عمر عبد الرحمن، مفتي الجماعة الإسلامية بقتل المرتد. وعند سؤاله لماذا اختار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب: لنحرق قلب أهله عليه.

واعترف عبد الشافي بأنه تلقى تكليفا من صفوت عبد الغني، القيادي بالجماعة الإسلامية بقتل فرج فودة، وأنه حصل على السلاح الآلي من المتهم الثالث أبو العلا عبد ربه، الذي توفي في غارة بسوريا قبل أشهر، وحصل مع شريكه الهارب أشرف إبراهيم على الدراجة البخارية من جلال عزازي.

وأضاف أنهما اختبآ عند وليد سعيد وحسن علي محمود وأشرف عبد الرحيم حتى وقت العملية، وظلا في مقر اختبائهما حتى ألقت الشرطة القبض عليهم وقدمتهم إلى المحكمة التي قضت بإعدام عبد الشافي رمضان والسجن المؤبد لأبو العلا رمضان.

إسحاق حنا صديق فرج فودة

آخر مكالمة هاتفية

من جهته، روى الدكتور إسحاق حنا أستاذ التصوير بكلية الفنون والصديق المقرب للدكتور فرج فودة لـ" العربية.نت" تفاصيل آخر مكالمة هاتفية جرت بينه وبين المفكر الراحل، وذلك قبل مقتله بساعة. وقال إنه اتصل بفودة يوم الحادث، حوالي الساعة الخامسة والنصف، وأخبره أنه سيتأخر عن موعد سابق بينهما، حيث كان المفكر الراحل قد طلب منه أن يعلمه فنون الرسم، وكان محددا أن يمنحه أول حصة في الرسم في منزل الدكتور حنا في هذا اليوم، واتفقا أن يذهب حنا إلى مكتب فودة ويصطحبه وصديقه لتعليمهما الرسم .

وأضاف أنه علم بعد ذلك أن فودة تعرض للاغتيال، فهرول مسرعا إلى العقار حيث مكتبه ليجد قوات الشرطة تطوقه وخلال دقائق وصلهم خبرا من المستشفى يؤكد وفاة الدكتور فرج فودة.

إلى ذلك، كشف اسحاق أن آخر مقابلة بينه وبين فودة كانت في مكتب الأخير، حيث اتفق فودة معه على أن يزين جدران مكتبه برسومات لشخصيات ومشاهير من أبرز المفكرين المصريين، مثل رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، وكانت المفاجأة أن المفكر الراحل طرح اسم شخصية قبطية لا يعرفها سوى عدد قليل وهي الأنبا اثناسيوس بطريرك الكنيسة في عهد الدولة الرومانية.

وقال إنه عبر عن اندهاشه من معرفة فودة بهذه الشخصية القبطية، فأخبره فودة أنه قرأ عنه كثيراً وأحبه حباً جما، وكانت قصة البطريرك التي حملتها كتب التاريخ أنه تحدى الدولة الرومانية والإمبراطور الروماني، واتهم بأنه كان يمنع نقل القمح المصري للإمبراطورية، فتعرض للاضطهاد والظلم، وقالوا له "العالم كله ضدك يا اثناسيوس" فرد عليهم قائلاً: "وأنا ضد العالم كله"، لذا سمي "باثناسيوس ضد العالم".

وأضاف أنه شرع بالفعل في رسم تلك الشخصيات، ولكن لم يمهل القدر فودة ليشاهدها، ولكنه نفذ رغبة الدكتور، ورسم كل الشخصيات التي طلبها ووضعها على جدران مكتبه الذي أصبح مقر جمعية التنوير وهي الجمعية التي أسسها فودة قبل وفاته.

إلى ذلك، قال حنا إنه تعرف على فوده منتصف الثمانينيات بعد أن قرأ كتبه، وتأثر بفكره وبحث عنه حتى التقى به، وأصبح من أصدقائه وأقرب الناس له، مضيفاً أن المفكر الراحل كان شديد الذكاء، ولديه أفكار عظيمة، وذاكرة حديدية جبارة وخارقة فقد يقول له معلومة ما ويقول له مكانها بالسطر والصفحة وفي أي كتاب قرأها.

وأضاف أنه كان سابقا لعصره، فقد كان يرصد الأحداث ويحللها بعمق، ويستشرف المستقبل ويتنبأ بما سيحدث من واقع قراءاته.

كما أشار حنا إلى أنه رافق الدكتور فودة في ندوته الشهيرة التي حاجج فيها رموز التيار الديني في معرض الكتاب وقارعهم الحجة بالحجة، وتفوق عليهم، وأثبت لهم أن توظيف الدين وخلطه في السياسة أمر خطير على مصر والمنطقة، وكانت تلك الندوة، والأخرى التي تلتها في نادي نقابة المهندسين بالإسكندرية معقل الإخوان في ذلك الوقت، وراء اتخاذ التيارات المتطرفة والإرهابية قرارها باغتيال المفكر الراحل .

مكتب فرج فودة

إقبال الشباب على كتبه

إلى ذلك، كشف أقرب أصدقاء فودة أن المفكر الراحل عاش في العراق لمدة كبيرة بعد تخرجه، وهناك كما أخبره فودة طاف كل مكتبات العراق وجامعاتها، وقرأ كافة الكتب التي تروي التاريخ الإسلامي وبروز التيارات الدينية، وعاد إلى مصر بمجموعة هائلة منها ضمها في مكتبته التي أصبحت في عهدة أبنائه، وهي مكتبة ضخمة وقيمة وكنز لا يمكن التفريط فيه.

كما لفت إلى أن مكتب الدكتور فرج فودة أصبح مقرا لجمعيته "التنوير" والتي يتولي هو أمرها الآن ، وتقوم باعادة طباعة كتب ومؤلفات المفكر الراحل وبيعها بسعر رمزي وبما يعادل 5 جنيهات للكتاب الواحد، حتى يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الراغبين في الإطلاع على فكر فودة.

وأضاف أنه لاحظ أن أكثر من يتردد على الجميعة الآن لاقتناء كتبه فئة الشباب، الذين لم يكونوا قد ولدوا بعد خلال حياته وربما ولدوا بعد وفاته، فقد عرفوا قيمته وأدركوا صدق ما كان يكتبه وتأكدوا من إجادته قراءة مستقبل مصر والمنطقة والتي أعلنها وبوضوح في كتبه ومؤلفاته قبل أكثر من 25 عاماً.