التوتر الذي يحدث في مصر سواء كان من المظاهرات أو العصيان المدني أو العنف الذي يمارس على الثوار في الميادين أو الخلاف بشأن إقامة الانتخابات البرلمانية، مثير لقلق الجميع كون مصر دولة محورية في العالم العربي فهي الأكثر سكانا وتضم أكبر مجموعة من المثقفين والأكاديميين ولديها أكبر قوة عسكرية. من هذا المنطلق أي خلل يحدث في مصر سيؤثر حتما على عجلة الاستقرار والتنمية لدى جميع دول المنطقة لذا يجب تدارك هذا الخطر بأسرع وقت. لقد أثبتت الرئاسة فشلها وتخبط الإخوان في إدارة البلاد، وإجراء انتخابات برلمانية في هذه المرحلة لن يزيد الطين إلا بلة.

لن تستطيع أي جهة أن تنقذ مايحدث في مصر إلا المصريين أنفسهم من خلال المعارضة سواء في جبهة الإنقاذ أو غيرها، فرفض الانتخابات ومعارضة حكم الإخوان فقط بدون توحيد الصفوف ورؤية ديموقراطية واضحة ستعد مراهقة سياسية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. على المعارضة أن تفسر للشعب كله من رجل الشارع البسيط إلى المثقف بالأخطاء والانتهاكات والخروقات التي ارتكبت وكيف يتم إصلاحها الآن، وتقديم تقرير مفصل عما يحدث للأمم المتحدة، والمنظمات الغير حكومية الأجنبية وخاصة الأمريكية، والمجتمع الدولي. فهذا لا يعد تدخلا في الشؤون الداخلية بل هو تنبيه للرأي العام العالمي، وقد مارست ذلك أغلب الدول التي كانت حديثة الديموقراطية مثل جنوب أفريقيا وجهورية التشيك. يجب التوضيح للجميع أسباب رفض الانتخابات البرلمانية المقبلة وماهي الضمانات المفروضة للعملية الانتخابية. كما يجب التنويه بأهمية تغيير الوزارات المتحكمة في العملية الانتخابية التي معظمها تحت سيطرة الإخوان، وضرورة تعيين نائب عام جديد وتعديل قانون الانتخابات على مستوى تقسيم الدوائر.

غالبا انتهاكات حقوق الإنسان تمر بها الدول التي تشهد تحولا سياسيا من نظام استبدادي إلى نظام ديموقراطي. فمن السذاجة الاعتقاد أن الحكومة الحالية ستكون أفضل حالا من حكومة النظام السابق لمجرد أنها منتخبة بدون أي ضمان ملموس بالتزام الحكومة لحقوق الإنسان. لذلك على المعارضة المصرية أن تلفت عيون المجتمع الدولي لما يحدث من انتهاكات في حقوق الإنسان سواء من العنف والقتل الذي يمارس ضد الثوارالمعتصمين، والتحرشات التي تحدث عن عمد ضد المتظاهرات في الميادين، توضيح أسباب العصيان المدني، إضافة إلى رصد الآليات التي تتم بها العملية الديموقراطية. مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان في المرحلة الحالية وكل مجرى العملية الديموقراطية أهم من مراقبة أو إجراء أي انتخابات.

الجدير بالذكر أن مصر كانت تحتاج في البداية ليس لرئيس جديد بقدر ماهي بحاجة إلى تغيير نظام قديم استبدادي بنظام ديموقراطي جديد لكي تتجنب البلاد الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. بعد سقوط نظام مبارك لم تكن لدى مصر أي معرفة بتقاليد الديموقراطية مثل المؤسسات القانونية، الفصل بين السلطات، فعالية المجتمع المدني، الضمانات الدستورية، احترام الأقليات التي يمكن أن تسهل العملية الانتقالية للديموقراطية. في هذه الحالة يكون خطر الفراغ في السلطة التي من الممكن أن تقع في يد جماعة منظمة مثل الإخوان، وبالتالي يتم السيطرة على جميع مؤسسات الدولة وفقا لأجندتها الأيديولوجية وليس لما تتطلبها معايير الديموقراطية. لذلك كان أكبر خطأ ارتكب في العملية السياسية هو تقديم الانتخابات على كتابة الدستور فبذلك قدمت مصالح السلطة على مصالح الشعب وقدمت مصلحة الحزب على القانون الذي من شأنه أن يحد من هيمنة أي رئيس أو حزب منتخب.

عندما تمر أي دولة بمرحلة ديموقراطية جديدة أول سؤال يسأله الناس بعد نشوة الثورة والتخلص من نظام استبدادي استمر لعقود من الزمن هو، مالذي قدمته لي الديموقراطية وما الجيد فيها؟ بعض المواطنين سيلتفتون للحريات والحقوق التي تشكلت على أساس الديموقراطية. البعض الآخر سيتساءل ما إذا كانت الديموقراطية الطريق الصحيح لحل مشاكله وسيبدأ المقارنة بين النظام الحالي والنظام السابق حتى أن البعض ممكن أن ينتابه الندم ويتمنى عودة النظام السابق كما يحدث مع بعض المصريين الآن بمطالبتهم لعودة حكم العسكر بسبب إحباطاتهم من النظام الحالي، ومن هنا تأتي ضرورة تحليل "نوعية الديموقراطية". قد نحتاج إلى التفكير قليلا ما إذا كانت الديموقراطية ممكن أن تسير بطريقة مستقلة أم أنها يجب أن تعتمد على قيم وأهداف معينة تعتبر شروطا لتحقيق مطالب الشعب. فقد أوضحت نظريات الديموقراطية أن أي نظام ديموقراطي يحتاج لشرعية تدريجية. الشرعية بدورها يمكن الحصول عليها بطريقتين أساسية. أولا من خلال تحديد أهداف وقيم الديموقراطية مثل الحرية، المساواة، حقوق الإنسان، تمكين المرأة، ضرورة احترام الرأي والرأي الآخر، تحسن الأداء الاقتصادي والتنمية، إعادة توزيع الثروة، سياسة الرفاه والعدالة الاجتماعية والعمل. ثانيا عن طريق تقييم الأداء. السبب الأساسي في إقبال الناس على الديموقراطية هو التمكن من تحقيق تلك القيم والأهداف ليس بالكلام والوعود ولكن من خلال الأداء والتنفيذ. أكد خبراء في الديموقراطية أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي وسيلة لتحقيق أهداف وقيم الديموقراطية وليست غاية بحد ذاتها. ومن هنا يأتي دور المعارضة المصرية في تقييم أداء الحكومة في المرحلة السابقة وكتابة تقرير عن الذي تم تحقيقه وما لم يتم وكيف يمكن إنجازه.

إحدى أسباب الفوضى في مصر هو عدم التزام الأحزاب المنتخبة المتمثلة في الجماعات الإسلامية من الإخوان المسلمين والسلفيين بقواعد ومتطلبات الديموقراطية حسب مفهوم الباحثين والمنظرين. أولا من المعترف به أن الديموقراطية تفترض العلمانية. ثانيا كلمة ديموقراطي تعني ليبرالي. للأسف لم يكن هناك انتشار ومعرفة بمفهوم "الإسلام الليبرالي" قبل تطبيق الديموقراطية لا في مصر ولا في الدول العربية الأخرى لكي يكون منهجا للأحزاب الإسلامية المنتخبة، لذلك من المفترض الآن تطبيق معايير الديموقراطية العاليمة التي تستوجب أن يكون الديموقراطي ليبرالي. هنا التركيز على أن يكون الديموقراطي ليبراليا وليس علمانيا لأن هناك علمانيين ليسوا ليبراليين ولا يتقبلون الآخر مثل الإسلاميين. ولكن شرط الديموقراطية هي "العلمنة السياسية" وذلك لا يعني استبعاد الإسلاميين من العملية السياسية ولا يعني أيضا إلغاء الهوية الإسلامية من البلاد ولكن هذا هو السبيل الوحيد لنجاح الديموقراطية. على سبيل المثال، كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية ليسوا بعلمانيين ولكن فصلوا بين الدين والدولة لحماية الدين من السياسة وليس العكس. تطورت الديموقراطية المسيحية في أوروبا ليس لأن الكنيسة الكاثوليكية تريد تعزيز القيم العلمانية ولكن لأن ذلك هو السبيل الوحيد للحفاظ على النفوذ السياسي مع العلم أن الهوية المسيحية مكتوبة في دستور الاتحاد الأوروبي.

إذا أراد الإسلاميون الاستمرار في الحكم يجب تحرير أنفسهم من فكرة تطبيق الشريعة ويجب أن يقبلوا بتقاسم السلطة مع الأحزاب الغير إسلامية وأن تتحول جماعة الإخوان إلى حزب سياسي حديث، وعليهم الإدراك ماتم تطبيقه في إيران قبل أكثر من ثلاثة عقود مستحيل تطبيقه في مصر الآن. فالزمن قد تغير ووسائل الإعلام سواء التقليدية مثل الفضائيات أو الجديدة مثل مواقع التواصل الاجتماعي جعل من العالم قرية صغيرة لا يمكن إخفاء انتهاكات حقوق الإنسان أو تغطية مايحدث من تزوير واحتيال على العملية الديموقراطية. من ناحية أخرى لا يوجد لدى مصر احتياطيات ضخمة من النفط والغاز مثل إيران يمكن القوى الحاكمة من شراء كل التناقضات بين الأيدلوجية الإسلامية والنمو الاقتصادي، فالضامن الوحيد لنجاح السلطة هي القوى البشرية. مشكلة الإسلاميين أنهم غير قادرين على توفير متطلبات الناس التي دفعتهم للثورة مثل العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والكرامة وبرنامجهم الحاكم مكبل فقط في حظر الكحول، وتعزيز الحجاب وإطلاق اللحى وغيرها من فروض الشريعة. على الإسلاميين أن يستمعوا إلى ناخبيهم الذين لن يتبعوهم بشكل أعمى. الناخبون يريدون تحسين الاقتصاد وليس إلى إحياء الخلافة أو إنشاء جمهورية إسلامية. يجب أن يفهموا أن الثورة في مصر لم تحدث من أجل تطبيق أيديولوجية إسلامية بل صارت لأجل تطبيق قيم الثورة التي تتجسد في التعددية والعدالة الاجتماعية.

الديموقراطية ليست مجرد انتخابات فقط بل هي عملية سياسية لها قواعد ومتطلبات، ولا يمكن الانتقال إلى مرحلة أخرى بانتخابات برلمانية جديدة ما لم يتم الفحص والتدقيق في المرحلة السابقة لكي تقام أي انتخابات مقبلة على أساس صحيح وقانوني. الخلل السياسي الذي حدث في مصر بسبب تقديم الانتخابات الرئاسية على كتابة الدستور يتطلب الآن من المعارضة إلى توحيد الصفوف برؤية سياسية واضحة تتفق جميعا على مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة، تعديل في قانون الانتخابات، تعديل في الدستور، رصد كل ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان، وجميع الخروقات القانونية التي حدثت، وكل ماتم وما لم يتم إنجازه منذ قيام الرئيس المنتخب بمهامه إلى الآن، ورفع تقرير عن كل ما يحدث لجهات مسؤولة في المجتمع الدولي لتوضيح سبب رفض الانتخابات سواء للأمم المتحدة أو لأمريكا على وجه التحديد وخاصة للجهات التي لا تتفق مع سياسة إدارة أوباما. إذا لم تتحرك المعارضة بطريقة منظمة وفعالة سينتهي المطاف بمصر إما بعودة عقارب الساعة إلى الوراء بحكم الجيش والعسكر أو بديموقراطية الفوضى.

 

*نقلاً عن "مصر 11"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.