خسر الذهب نحو 30 في المائة من قيمته في عام 2013، مثيراً بذلك شكوكاً حول جودة الاستثمار في الذهب ومدى أهمية الهروب من العملات الورقية إلى الأصول الملموسة، نتيجة تآكل القيمة الحقيقية للعملات بسبب الاستمرار في طباعتها من قبل البنوك المركزية حول العالم. فهل الذهب، بصفة عامة، مناسب للاستثمار؟ وهل لا يزال الذهب مناسبا للاستثمار؟ وما طرق الاستثمار في الذهب؟

بمراجعة تاريخية بسيطة نجد أن الذهب حقق نمواً بنحو 300 في المائة في الـ 15 عاماً الماضية، بينما حققت الأسهم (ممثلة في مؤشر داو جونز الأمريكي) نحو 80 في المائة خلال الفترة نفسها، على الرغم من خسارة الذهب 30 في المائة من قيمته هذا العام، وفي الوقت نفسه ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 23 في المائة. أي أنه باستثناء عام 2013، حقق الذهب نمواً تجاوز 450 في المائة خلال 15 عاماً، بينما حقق داو جونز نمواً بنحو 42 في المائة خلال الفترة نفسها، زائد الأرباح الموزعة السنوية بحدود 1 إلى 3 في المائة.

وبلا شك فإن أحد أهم أسباب ارتفاع سعر الذهب في السنوات الماضية يعود إلى الإقبال الكبير على اقتنائه من قبل المستثمرين وبعض البنوك المركزية ممن يعتقد أن الدولار الأمريكي في حالة تدهور شديد ستستمر لسنوات طويلة، وأن لا مجال لحفظ الثروة إلا عن طريق الأصول الملموسة، وأهمها الذهب. وعلى الرغم من سلبية أداء الذهب هذا العام، فهناك الكثير ممن يتمسك بفكرة الاستثمار في الذهب ولا يحيد عنها قيد أنملة، سواء ارتفع سعره أم انخفض.

ما سبب جاذبية الذهب؟

ترتكز فكرة الاستثمار في الذهب على فرضيتين، الأولى أن القيمة الشرائية للعملات الورقية في تآكل مستمر، والثانية أن كمية العرض من الذهب محدودة، لذا فإن سعر الذهب دوماً يأتي تحت رحمة حجم الطلب، المتوقع استمراره لعقود طويلة. بالنسبة إلى محدودية كميات الذهب فهي معروفة، حيث إن مجموع ما تم استخراجه من الذهب على مدى عمر البشرية يقدر بأقل من ستة مليارات أونصة، أو نحو 170 ألف طن، وينتج منه سنوياً على مستوى العالم نحو 2500 طن، وأكثر من نصف الإنتاج تم خلال الـ 100 عام الماضية.

هذا يعني أن كمية الذهب في العالم تزداد سنوياً بنسبة 1,5 في المائة تقريباً، ما يجعل الذهب يختلف اختلافاً جوهرياً عن كثير من السلع الأخرى التي لا تحظى بعامل التراكمية، أي تلك السلع التي تستخرج وتبقى على وجه الأرض، بعكس سلع أخرى كثيرة ناضبة كالنفط الذي يستخرج ويستهلك بلا رجعة. ولكن بما أن كميات الذهب المستخرجة على سطح الأرض في ازدياد مستمر- أي أن الكمية المعروضة في ازدياد- فبحسب قانون العرض والطلب من المفترض أن زيادة العرض تؤدي إلى انخفاض الأسعار، فالمفترض أن ينخفض سعر الذهب! الخلل في هذا التحليل هو أن الطلب يزداد بشكل أكبر من العرض، وهذا صحيح حتى في السنوات التي يكون الطلب فيها متواضع المستوى نسبياً، بسبب ضعف نسبة نمو كميات الذهب السنوية، التي كما رأينا لا تتجاوز 1,5 في المائة.

كيف يمكن للشخص العادي الاستثمار في الذهب؟ هناك عدة طرق، أحدها يتم بشراء المنتجات المصنوعة من الذهب كالمجوهرات والحلي، التي يمكن استخدامها كزينة للنساء وكاستثمار في الوقت نفسه، غير أن هناك عددا من التحفظات حول هذه الطريقة. أولاً علينا أن نعرف أن جودة الذهب تقاس بالقيراط، وأعلى درجات الجودة هو الذهب الخالص، الذي أعطي مقياس 24 قيراطا لكون نسبة الذهب فيه تتجاوز 99 في المائة وتصل إلى 100 في المائة.

بهذه النسبة العالية من الذهب، لا يمكن استخدام 24 قيراطا في المجوهرات ولا في كثير من المنتجات بسبب ليونة الذهب عند هذا التركيز، على الرغم من الكثافة العالية لهذا المعدن. للفائدة العلمية- ولو أنها في مجال الكيمياء التي أجهلها- تساوي كثافة الذهب 19.3 جرام في السنتيمتر الواحد المكعب، أي أن وزن قطعة ذهب على شكل مكعب بضلع 1 سنتيمتر تساوي 19.3 جرام، ولن تجد بسهولة أي مادة أخرى أثقل من ذلك، عدا مادة البلاتينيوم، التي غالباً سعرها أعلى من الذهب.

لذا فإن محاولات الغش في الذهب صعبة جداً لأن أي مادة أخرى تضاف بدلاً من الذهب ستؤدي إلى انخفاض وزن القطعة بشكل أقل من الوزن الصحيح. ولكن لأسباب عملية واقتصادية، يستخدم عيار 18 قيراطا بدلاً من 24 قيراطا، الذي يحتوي على 75 في المائة ذهب - تأتي نسبة 75 في المائة بقسمة 18 قيراطا على 24 قيراطا - وتضاف مواد أخرى لزيادة الصلابة والتحكم في اللون، غالباً مواد النحاس أو الفضة أو الروديوم أو الزنك وغيرها. وحتى قياس 14 قيراطا يعتبر ذهباً حقيقيا، ولكن نسبة الذهب فيه فقط 58.3 جرام للسنتيمتر المكعب.

وعلى الرغم من سهولة شراء المجوهرات الذهبية إلا أنها ليست الطريقة المناسبة للاستثمار في الذهب لعدة أسباب، منها أن سعر القطعة الذهبية يعتمد على التصميم والتنفيذ والأحجار الأخرى المضافة، لذا لا توجد علاقة مباشرة ودقيقة بين سعر أونصة الذهب في الأسواق الدولية وسعر المنتجات المصنوعة من الذهب. لهذا السبب هناك من يشتري عملات وقوالب ذهبية تأتي بشكل ذهب خالص من عيار 24 قيراطا، وهو العيار المستخدم في تداولات الذهب، سواء من خلال الأسواق الفورية أو الآجلة، ومن ثم حفظها في أماكن آمنة في خزانات المصارف أو من قبل شركات متخصصة مع عمل تأمين عليها.

غير أن أسهل طريقة لشراء الذهب تتم من خلال الصناديق الاستثمارية المتخصصة أو حتى من خلال شراء أسهم صناديق المؤشرات المتداولة، وهي عبارة عن أسهم تباع وتشترى مثل بقية الأسهم ولا تختلف عنها في شيء، مثال ذلك سهم GLD، الذي يحاكي سعره سعر أونصة الذهب، وتعادل عشرة أسهم منه سعر أونصة واحدة من الذهب. وعلى الرغم من شعبية هذا الصندوق وسهولة تداوله، هناك من لا يعتبره شراءً حقيقياً للذهب، ويختلف عن الامتلاك الفعلي لقوالب الذهب أو العملات الذهبية.

السبب في ذلك أن هذه الصناديق قد تبيع أسهما أكثر مما لديها من الذهب، وهي في ذلك تعتمد على فكرة أن لديها ما يكفي من الذهب لتلبية طلبات الاسترداد التي تتم بشكل يومي، وأنه من غير المتوقع أن يطالب جميع المستثمرين بأموالهم مرة واحدة، وهذا صحيح ومتوقع ولكنه غير مضمون. الخيار الآخر للاستثمار في الذهب يتم عن طريق شراء أسهم الشركات العاملة في مجال التنقيب عن الذهب، وهناك صناديق متخصصة تجمع عددا من هذه الشركات في سلة واحدة لتقليل المخاطرة من شراء أسهم شركة واحدة بعينها.

في الختام، لا يزال الاستثمار في الذهب وسيلة مناسبة لمن يمتلك ثروة كبيرة ويريد المحافظة عليها ضد تصرفات البنوك المركزية وأثر التضخم، ومن الممكن أن تمر أسعار الذهب بفقاعات مالية نتيجة تأرجح القوة الشرائية للدولار، ومن الممكن المضاربة على أسعار الذهب، كالمضاربة على الأسهم، وهي بذلك لا تخلو من المخاطرة وخسارة جزء كبير من رأس المال.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.