أي كارثة أو أزمة تمر بالعالم يكون لها جذور وذرَات تكوينية تشكل نواة للكارثة أو الأزمة، وهذه النواة يتكفل برعايتها وسقايتها من تنفرد له السلطة ويهيمن عليه جبروت القوة ويظن أنه بعيد عن لهيبها، فتجده يستصدر الأنظمة والقوانين ويشرع القرارات ويفرض آليات التنفيذ عبر المنظمات الدولية التي يسيطر عليها بالتمويل تارة أو بالفيتو عند اللزوم لتعطيل القرار أو بالهيمنة غالباً مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية والهيئات المنبثقة عنها.

ولا ننسى هذا الفيتو الذي اخترعه الأقوياء ليتناسب مع طموحاتهم وتطلعاتهم السياسية للسيطرة، حيث يتم تسييس معظم القرارات الصادرة من هذه الهيئات والمنظمات الدولية، ويظهر ذلك جلياً عندما تقترض الدول الفقيرة من صندوق النقد الدولي، والاشتراطات التي تفرض عليها، وجميعها تصب ضد المصالح المرتجاة من هذا القرض، والهدف الأصلي لهذه الشروط مسيس لربط عجلة تلك الدولة بالأوامر والنواهي لتتم هيمنة الدول العظمى على مجريات الأحداث.

صدر النظام المالي سنة 1944 في (بريتون وودز)، والذي يركز على استبدال الذهب بالدولار، فاستجابت لهذا النظام بعض البنوك المركزية في الشرق الأقصى "نمور آسيا" حيث آمنوا بنزاهة واستقلالية أمريكا، فقامت بتسييل السندات الأمريكية وأقرضت بقيمتها الشركات الوطنية لديها، وجعلت من هذه القروض احتياطيا أجنبيا، مما تسبب في سنة 1997 بانهيار اقتصادياتها.

علماً أنه في سنة 1971 جددت أمريكا تنظيراتها لتحرير الأسواق وفقاً لقوانينها المنفلتة من أي قيود أو تشريعات حكومية حسب تنظيرات "آدم سميث" و"ديفيد ريكاردو" و"جون كينز"، في محاولة لتثبيت الدولار كعملة للاحتياطي العالمي، فهي التي عطلت مجهودات البنك الدولي لإنقاذ انهيار اقتصاديات نمور آسيا بجميع خطط الإنقاذ المقترحة؛ لأن أمريكا وحدها تملك حق النقض في البنك الدولي لمساهمتها بـ 18% من ميزانيته.

ومع بروز الشركات الاحتكارية وشركات متعددة الجنسية في ظل العولمة، انتهت المنافسة عملياً، وأصبحت هذه الشركات تتحكم في مفاصل اقتصاديات الدول الرأسمالية المتطورة والبلدان المتخلفة على حد سواء.

وقد عبرت الفترة الريغانية 1980 – 1988 في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك الفترة التاتشرية 1979 – 1991 في بريطانيا عن هذا التوجه، والذي تزامن مع انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي، وهذه التنظيرات استطاعت فرض السيطرة الشاملة على الاقتصاد العالمي.

ولكن أمريكا أصابها من اللهيب شرره، فخسائرهم في الرهن العقاري فقط 16 تريليون دولار، فاضطرتهم الأزمة الى التدخل لحماية البنوك بعكس ما نظَروا له، فتمت حماية البنوك التالية "إندي ماك" و"ماني مي" و"فريدي ماك"، وأيضاً تدخلت لإنقاذ شركة AIG مقابل 85 مليار دولار، وآخر المطاف أفلس 19 بنكاً.

وهكذا جنت على نفسها براقش ولنفهم أن فكرة وجود أسواق بصلاحيات مطلقة دون قيود ودون تدخل الحكومات هي فكرة مجنونة.

*نقلا عن اليوم

http://www.alyaum.com/article/4006448