يلعب القطاع العقاري دورا مهما وحيويا في الناتج المحلي لبلدان العالم، حيث يدخل بطريقة مباشرة كقطاع مستقل، أو بصورة غير مباشرة في الأغلبية الساحقة من الأنشطة الاقتصادية، فالزراعة لن يكون لها كيان من دون الأراضي الزراعية، والصناعة تحتاج إلى الأراضي الصناعية والتجارة تحتاج إلى منافذ البيع وهكذا دواليك. تتكون القيمة المضافة للقطاع العقاري ـ حسب تصنيفات الناتج المحلي ـ بشكل رئيس من عوائد ملكية العقارات المسكونة من قبل الملاك أو المؤجرة ومن خدمات الوساطة العقارية. وتتم إضافة الإيجارات الضمنية للعقارات المملوكة للناتج المحلي لهذا القطاع، أو بعبارة أخرى يفترض في حساب البيانات القومية أن ملاك المنازل يدفعون إيجارات لأنفسهم. جاء هذا الافتراض لأن باستطاعة سكان المنازل تأجير منازلهم إذا أرادوا واستئجار مساكن أخرى أقل أو أعلى تكلفة. ولو تم حذف الإيجارات الضمنية لملاك المنازل من الناتج المحلي الإجمالي لتراجعت قيمته عند زيادة نسبة ملكية المساكن وهو أمر غير منطقي.

ترتفع مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي كلما تطورت وتنوعت المنتجات العقارية، ويلاحظ ارتفاع مساهمة هذا القطاع مع مرور الوقت في عدد كبير من دول العالم. وتصل مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 14.3 في المائة في إيطاليا، 13.3 في المائة في فرنسا، 12 في المائة في الولايات المتحدة، 11.1 في المائة في بريطانيا. وقد تنخفض مساهمة القطاع العقاري مع زيادة التنوع في القطاعات الاقتصادية. وتشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء إلى أن ملكية العقارات في المملكة تسهم بنحو 7.5 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ( تنخفض هذه النسبة إلى نحو 4.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015 إذا قيست بالأسعار الحقيقية لعام 2010). وجاء ارتفاع مساهمة القطاع العقاري بالأسعار الجارية ـــ التي تقاس بها بصورة عامة ـــ بسبب ارتفاع مساهمة النفط في سنة الأساس والزيادة الكبيرة في تكاليف الإيجارات خلال السنوات الماضية.

تقدر قيمة ناتج القطاع العقاري بالقيمة الاسمية بنحو 181.5 مليار ريال في عام 2015 وهي قيمة كبيرة، ولكن هناك شكوكا حول دقتها حيث تملك المملكة قطاعا عقاريا ضخما شهد تطورا كبيرا وتعددا في المنتجات العقارية خلال السنوات الماضية. وتلعب العقارات دورا أساسيا ومهما في اقتصاد المملكة، كما تشير الشواهد الماثلة في الواقع إلى ارتفاع مساهمة هذا القطاع بنسب تفوق تقديرات الهيئة العامة للإحصاء. فلو نظرنا إلى عدد ونوعية العقارات السكنية والتجارية ومستويات الإيجارات في طول المملكة وعرضها لوجدنا أن القيمة المضافة لهذه العقارات أكبر من التقديرات. ويوجد في المملكة ما يزيد على 5.5 مليون وحدة سكنية في عام 2015، ولا يقل معدل إيجار الوحدة السكنية الواحدة عن 30 ألف ريال " لو اعتبرنا الفلل التي تتجاوز إيجاراتها هذه القيمة بكثير ". ولو سلمنا بهذه الفرضية فإن إجمالي قيمة الإيجارات الضمنية والفعلية في المملكة سيتجاوز 165 مليار ريال في العام. وإذا أضيفت إلى هذا إيجارات العقارات التجارية التي قد لا تقل إيراداتها عن هذا المبلغ فإن القيمة المضافة للعقارات سيتجاوز 300 مليار ريال. وترتفع إيجارات المحال التجارية بقوة على الشوارع الرئيسة في المدن والمراكز التجارية (المولات) وقرب مواقع الجذب المشهورة كالحرمين الشريفين. ويتجاوز إجمالي إيرادات الإيجارات السنوية في عدد كبير من المراكز التجارية 100 مليون ريال للمركز الواحد، حيث تصل تكلفة الإيجارات السنوية في مولات المملكة إلى ألفي ريال للمتر المربع وتتجاوزه في بعض الأماكن، كما يتجاوز معدل الإيجارات التجارية عشرة آلاف ريال للمتر المربع قرب الحرمين. ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة إجمالي الإيجارات التجارية قرب الحرم المكي وحده عشرة ملايين ريال، وقد يتجاوز إجمالي إيرادات الإيجارات السنوية على أحد الشوارع الرئيسة في جدة والرياض مليار ريال في السنة.

سترتفع مساهمة القطاع العقاري لو تمت إضافة قيمة بناء المساكن والعقارات التجارية. ويتجاوز عدد الوحدات السكنية المقامة سنويا في المملكة 150 ألف وحدة، تزيد قيمتها على 100 مليار ريال، بينما تغيب التقديرات عن إجمالي قيم إنشاء المراكز والمحال التجارية. ولا تدخل قيمة إنشاء العقارات السكنية والتجارية في ناتج القطاع العقاري ـ حسب البيانات القومية ـ ولكنها تدخل في ناتج قطاع البناء والتشييد. كما لا يدخل في مساهمة القطاع العقاري القيمة المضافة لقطاع الفنادق والشقق المفروشة التي تعتبر في الأساس مشاريع عقارية. إن مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي للمملكة مساهمة مهمة وحيوية، ولو تمت إضافة القطاعات ذات العلاقة لأصبح القطاع الأهم في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص غير النفطي. وقد تركزت التنمية في منطقة الخليج العربي على التطوير العقاري، ولهذا لا بد أن تكون مساهمة هذا القطاع أكبر بكثير مما يرد في البيانات القومية لدول المجلس ومن ضمنها المملكة.

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية