كرة الثلج، لمن لا يعرف ما ذا تعني، وصف لأي وضع يتدهور مع مرور الوقت. سواء كان الوقت قصيرا أو طويلا. فلو كتب لك مشاهدة كرة ثلج تتدحرج من قمة جبل جليد إلى مستوى الأرض المحيطة بالجبل لوجدت أن حجمها يكبر وهي في سبيل انحدارها. ولو قارنا وضعنا الاقتصادي، الذي يعتمد اعتمادا شبه كلي على المصادر البترولية الناضبة، مع حركة ومصير الكرة الثلجية لوجدنا أن الوضع يتضخم كلما اقتربنا مع نضوب ثروتنا ونحن لم نصل بعد إلى الاكتفاء الذاتي الذي يغنينا عن دخل البترول.

ويحدونا الأمل في أن تكون مبادرة «رؤية 2030» هي العامل الذي سوف يهدئ من سرعة كرة الثلج ويقلل من حجمها، وربما إن شاء الله تستطيع الرؤية إيقافها وإعادة التوازن إلى اقتصادنا ليكون ذا نماء طبيعي وذاتي. فهدف الرؤية الرئيس إيجاد نوع من الاقتصاد الذي يعتمد على سواعد أبناء الوطن وما تنتجه عقولهم. وهو أمر يحتاج إلى مجهود كبير وجبار وتخطيط جاد يحول المواطن من إنسان غير منتج، كما هي حالنا اليوم، إلى مواطن فاعل ومنتج. فلدينا استعداد للإبداع، بدليل تفوق شبابنا وشاباتنا في المحافل الدولية والمسابقات العلمية. فكم من فتى وفتاة من أبنائنا وبناتنا أحرزوا مراكز متقدمة في مجال الاختراعات والتطوير والرياضيات، وهم لا يزالون في مراحل الشباب. فما بالك إذا ما توافرت لهم فرص ممارسة الأعمال في المصانع ومرافق الخدمات. أما إعداد وتدريب وتأهيل المواطن ليكون فنيا ومهندسا ومهنيا في مجال الصناعة والإنشاءات فهو في نظرنا التحدي الأكبر. فلا تزال معظم الأعمال الفنية والمهنية بأيد أجنبية وافدة مآلها إلى الرحيل، ونصيب أغلب المواطنين الأعمال الناعمة التي لا تضيف كثيرا إلى الاقتصاد الوطني.

ولعل سائل يقول، أين دور المعاهد ومراكز التدريب المهني والتقني؟ وهو سؤال في محله، لأن تلك المرافق قد خرجت عشرات الألوف من الطلبة ولكنك لا تشاهد لها أثرا على أرض الواقع. وقد تكون لذلك أسباب جوهرية، كانعدام أو ضعف مستوى المتابعة من قبل مؤسساتهم التعليمية بعد التخرج. ومزاحمة العمالة الوافدة الرخيصة التي تجد الباب مفتوحا على مصراعيه لاستقدامها ومنحها الحرية الكاملة لتعمل لحسابها، وتدني الرواتب التي يقدمها القطاع الخاص، لغياب التدخل الحكومي الذي لا بد من وجوده لضمان إيجاد فرص عمل للمواطنين وتقديمهم على الوافدين مع تحسن في ظروف العمل فيما يتعلق بتنظيم الدوام والبيئة والحقوق.

فبإمكان «رؤية 2030»أن تغير الشيء الكثير مما هو سائد اليوم من سيطرة شبه كاملة للعمالة الأجنبية على سوق العمل. وليس خافيا علينا ولا على المسؤولين كون وجود بضعة ملايين من تلك العمالة الوافدة بين ظهرانينا يمثل عبئا ثقيلا على اقتصادنا، فلسنا بحاجة إلى من يبيع ويشتري ويعمل لحسابه الخاص، وهي من خصائص المواطن، وميزة لا يحلمون بها حتى في بلادهم التي قدموا منها. التنظيم الجديد الذي نطمح إلى وجوده يتطلب تعاونا وثيقا بين أكثر من مؤسسة أو وزارة. وعلى وجه الخصوص، وزارات التجارة والشؤون البلدية والعمل والتعليم الفني. فالبرنامج يحتاج إلى الحد من الاستقدام بنسبة كبيرة وعدم تجديد رخص محال التجزئة، كالدكاكين العشوائية التي أصبحت معلما من معالم الفوضى والمناظر غير المريحة في وسط مدننا وقرانا. وإذا كان من مهام وزارة التجارة، أو أي جهة أخرى، إصدار رخص المحال التجارية والمصانع فعليها أن تشترط تدريب وتأهيل المواطن السعودي ليكون على أقل تقدير 50 في المائة من العمالة المطلوبة وبرواتب مجزية، ويكون هذا المطلب جزءا من دراسة الجدوى الاقتصادية، فإن لم يقبله صاحب المنشأة فليس ضروريا أن يمنح الرخصة. ولا بد من أن يكون للمؤسسة التعليمية دور مباشر في إعداد جيل جديد من المهنيين والحرفيين والفنيين قادر على العمل في الظروف الخارجية، تحت أشعة الشمس وبرد الشتاء، ناهيك عن دور وزارة العمل في إحداث قوانين تضمن للمواطن راتبا مجزيا يستطيع من ورائه العيش مع زوجته وأولاده بكل أمان واطمئنان. وبطبيعة الحال، ضمان انتظام المواطن في العمل بموجب شروط وقوانين تحفظ لصاحب العمل حقوقه كاملة مقابل ما يمنحه للموظف أو العامل. كل ذلك يأتي تحت مظلة الرؤية المباركة وبمتابعة دقيقة وفعالة من القائمين عليها.

 

* نقلا عن صحيفة " الاقتصادية