أكثر ما لفتني بين أعمال الشاعر والكاتب السعودي الراحل غازي القصيبي عملان له، أحدهما شعري، والآخر سردي، العمل الشعري يتمثل بمجموعته المتميزة «سحيم»، وهي عبارة عن قصيدة طويلة يستعيد القصيبي من خلالها سيرة عبد بني الحسحاس الذي حكمت عليه القبيلة بالموت حرقا؛ نتيجة للعلاقات المحرمة التي أقامها مع عدد غير قليل من نسائها الحرائر. على أن أهمية المجموعة لا تكمن في بعدها التاريخي الاستعادي، بل في توظيفها الباهر للحادثة المذكورة بما يخرجها من إطارها الفردي ليجعلها رمزا للتمرد على العبودية والقهر، عن طريق اللجوء إلى المعصية وإظهار الفحولة الجسدية كسلطة موازية لسلطة النفوذ السياسي والاجتماعي. أما على المستوى الأسلوبي فتبدو المجموعة من حيث تركيبها البنيوي وتصاعدها الدرامي ورشاقتها الإيقاعية ذروة في العمق والتشويق والاتصال بروح العصر، فضلا عن أن التمزق الداخلي الذي ينتاب الشاب الأسود المتمرد بين الانجراف وراء اللذة وبين كابوس الموت الذي يثلمه في الصميم يشرع المجموعة على أبعاد سيكولوجية بالغة الدلالة.

أما في عمله السردي المؤثر «الزهايمر»، فيقارب غازي القصيبي تراجيديا الكائن البشري وهو يواجه في كهولته وما بعدها خطر الانزلاق في وهدة النسيان، وصولا إلى الامحاء الكامل الذي يسبق الموت بأمتار عدة.

وفي هذه الرواية القصيرة والمكثفة يروي المؤلف، على شكل رسائل متلاحقة، قصة الكهل السبعيني يعقوب العريان الذي بدأت أعراض المرض لديه بنسيانه اسم العطر الذي اعتاد على تقديمه لزوجته الشابة.

غير أن الأمر لم يكن مجرد حدث عارض، بل بدأ التلف التدريجي يصيب خلايا الذاكرة إلى حد نسيان الأسماء والمواعيد والأحداث، بدءا من الوقائع القريبة، ورجوعا نحو الصبا والطفولة المبكرة. وفي مرحلة من المراحل يفقد البطل، الذي غادر إلى مستشفى أمريكي كي لا يرهق امرأته بأعبائه، السيطرة على وظائفه العضوية كلها، ليدخل في المرحلة «النباتية» التي يتحول فيها الكائن الحي إلى نوع من أنواع الخضار المعطلة عن كل إحساس أو عقل أو شعور بالزمن. في هذه المرحلة البيضاء ليس ثمة من قيمة لأي شيء، لا للحب ولا للكراهية، لا للتعلق بالأبناء ولا للانتماء للوطن، لا للمجد ولا للحنين.

لا أعرف لماذا خطر لي تذكر أقصوصة القصيبي المأساوية في هذا الوقت بالذات. ربما هو مشهد الثلج المتراكم الذي غطى مرتفعات لبنان وأبنيته وطرقاته بطبقة ناصعة وسميكة من البياض. لكن هذا البياض على جماله يحول التفاصيل والمعالم كلها إلى سديم خالص، بحيث يبدو العالم برمته مصابا بالزهايمر من نوع خاص.. لا نتوءات فيه ولا ذاكرة ولا تضاريس.

وكي لا أغرق في التشاؤم، تذكرت أيضا الوجه الآخر للحقيقة، حيث الثلج ما هو إلا المعادل الرمزي للورقة البيضاء التي نكتب فوقها أجمل النصوص، وندون صرختنا في وجه الموت.

*نقلا عن صحيفة "عكاظ" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.