كانت لعبة "الشطرنج" جزءاً من الحياة العربية والإسلامية، حسب ما تفصح عنه كتب التاريخ وكتب التراجم، بل كتب الأدب والشعر.

ويظهر مما سجلته مصنفات عربية قديمة، أن لعبة الشطرنج كانت أثيرة لدى نخبة المجتمع العربي والإسلامي، في عصور سابقة. فقد لعبها، إلى جانب الأمراء والخلفاء، نحويون ولغويون وشعراء وأطباء، وأصبحت من الألقاب التي يحملها البعض لتصبح جزءاً من اسمه.

وكان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، يهوى اللعبة، ويكون الطرف المقابل له، شاعراً أو أديباً أو قائداً عسكرياً.

وينقل "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" والمعروف باسم "معجم الأدباء" لياقوت الحموي، حادثة كان يلعب فيها صلاح الدين الشطرنج مع أحدهم، وكان الشاعر الشهير أسامة بن منقذ يتابع مجريات اللعبة، فطلب من صلاح الدين أن يأذن له بقراءة بيتين له قالهما في الشطرنج، فأذن له: فأنشده:

انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها
مغالباً ثم بعد الجمع يرميها
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها
حتى إذا مات خلاَّها وما فيها.

ويتحدث الحموي في أخبار كثيرة، عن أن الشطرنج كانت لعبة أثيرة لدى الخليفة المعتضد. وهي لعبة الخليفة الرشيد، بحسب "الأغاني".
المعتزّ يؤجّل أمر دفن المستعين حتى يفرغ من اللعبة!

ويخبر ابن كثير الدمشقي في "البداية والنهاية" عن تعلّق الخليفة العباسي المعتز بها. ويروي حادثة مقتل "المستعين" ثم حمل رأسه إليه، فجاؤوا "إليه وهو يلعب الشطرنج" وقيل له: "هذا رأس المخلوع" أي رأس المستعين، فقال: "ضعوه حتى أفرغ من هذا الدّست. ولمّا فرغ نظر إليه وأمر بدفنه".

ويستفيض ابن كثير في كلامه عن امرأة تدعى "عريب المأمونية" وينقل إن ثمة من قال إنها ابنة جعفر البرمكي، إلا أنها "سُرِقَت وهي صغيرة واشتراها (الخليفة العباسي) المأمون". وفي جملة ما نقل في أوصافها وجمالها، كذلك بأنها من أحسن من يلعب الشطرنج.

 

شُغفوا بالشطرنج فصارت لقباً لهم

ويورد الحموي أن الصولي، وهو محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول، المتوفي سنة 335 للهجرة، وهو أحد أشهر المصنفين العرب، خصوصاً في كتابه المرجع "أدب الكتّاب"، كان من أفضل الذين يلعبون الشطرنج، في عصره. بحسب كلامه.

أمّا أبو زيد، وهو أحمد بن سهل البلخي، فقد ألّف كتاباً عن الشطرنج. بحسب ياقوت الحموي الذي يورد عدة أشخاص دخلت الشطرنج في ألقابهم، منهم أبو الرجاء الضرير "الشطرنجي العروضي". وكذلك "أبو حفص الشطرنجي" الذي يشار إليه أيضاً بـ"شاعر عليّة بنت المهدي". ولزمه لقب الشطرنجي لتعلّقه باللعبة. فقد كان "لاعباً شغوفاً بالشطرنج". بحسب "الأغاني".

ومن النحويين المعروفين الذين تعلّقوا بلعبة الشطرنج، كان عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الخشاب، المتوفى سنة 567 للهجرة، والذي كان يقال فيه "أعلم أهل زمانه بالنحو". وقيل إنه كان بالنحو "في درجة أبي علي الفارسي" النحوي الشهير.

 

ومن طرائف ما ينقل عنه، لتعلقه بالشطرنج، أنه كان يلعبها "مع العوام على قارعة الطريق" بحسب الحموي الذي أخبر عنه أنه ألف كتباً عديدة.

ومن الذين برعوا في الشطرنج، محمد بن عبد الملك بن زهر الأندلسي، صاحب المقامات، والمتوفى سنة 595 للهجرة، والذي قيل فيه إنه "أقبل على الأدب واللغة العربية فبرع في ذلك كله". حيث ورد في "معجم الأدباء" إنه كان "بارعاً في الشطرنج".

وجاء في "الأغاني" أن الشاعر الشهير مطيع بن إياس، كان يلعب الشطرنج.

عربيّ يهزم الملك "الفونس" في الشطرنج

ولعل أشهر قصة لاعب عربي في لعبة الشطرنج، كان بطلها أبو بكر محمد بن عمار القضاعي الأندلسي، الذي فاز على الملك "ألفونس" في مباراة نسج بعض الرواة مبالغات حولها، إلا أن المؤكد هو فوز محمد بن عمار على ملك قشتالة.

 

وتختلف المصادر في تاريخ لعبة الشطرنج، ومنها ما يقول إن العرب نقلوها إلى الغرب، سواء من خلال الأندلس أو من خلال وقائع ومجريات الحروب الصليبية، على اعتبار أن ملوك الأيوبيين وعلى رأسهم صلاح الدين، كانوا من عشاق اللعبة.

إلا أن الوارد في كتب التراجم العربية، أن اللعبة موجودة عند العرب، وألفوا فيها أكثر من كتاب. إذ كثير من المصنفين يشيرون إلى أسماء مختلفة ألّفت كتباً في الشطرنج.

ولا يوجد تأريخ حاسم لميلاد هذه اللعبة، فمصادر ترى أصل الشطرنج من الهند، وأخرى ترجعها إلى الصين. ومصادر تتحدث عن أن اللعبة مرّت بأكثر من طور قبل أن تصل إلى شكلها الحالي الذي ثبتت عليه منذ مدة طويلة.

وتحدّث المؤرخ المسعودي عن اللعبة في كتابه "أخبار الزمان"، ووصف بها شعب جزيرة "سرنديب" وهي سيريلانكا حالياً، وقال إن "أكثر عملهم بالنرد والشطرنج".

لعبة الذكاء الأقوى عالمياً

والشطرنج، هي أقوى لعبة ذكاء، عالمياً، بسبب ما تتضمنه من احتمالات منطقية، يؤدي كل واحد منها إلى آخر، فتتشعب الاحتمالات وتتضاعف، ويزداد تعقيدها كلّما أضيفت نقلة، لأن كل نقلة تفترض أو تستتبع نقلة أو نقلات أخرى، في كل واحدة منها احتمالات واسعة.

ويتم تدريس لعبة الشطرنج، في المدارس، في بلدن عديدة، منها روسيا التي تشتهر بهذه اللعبة وقدّمت أكثر من بطل للعالم فيها. ويتم تدريسها نظراً إلى تأثيرها العميق بالتفكير والترابط المنطقي والتفكير السببي. مما يزيد من قدرة متعلم اللعبة على ربط الجزء بالكل، حيث لا يمكن القيام بنقلة إلا ضمن منظور مسبق لرد الخصم عليها، وبعد أن يرد الخصم، يكون هناك نقلة مضادة، وهكذا، لتتحول اللعبة إلى صراع ذهني مفتوح واسع النطاق، لا مثيل له في أي رياضة أخرى.