"مصر" اللى خسارة فينا

محسن الجلاد
محسن الجلاد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

فى أعياد الربيع نستمتع بالطبيعة الساحرة والطقس المعتدل والإجازات والفسيخ والصحبة الحلوة.. لكن هل نشعر بهذه النعمة العظيمة؟ وهل نقدرها؟ بل هل نعرف ما هى هذه النعمة؟ إنها مصر.. بلادنا ذات الطبيعة الساحرة.. ذات الطقس المعتدل معظم شهور العام التى فيها الفصول واضحة المعالم وكلها تتميز بلطف بالغ، فالربيع فى بلادنا مصر ذو نسمات منعشة.. وطقس معتدل اعتدالاً ساحراً والصيف ليس ذا شمس حارقة ولا درجات حرارة تتجاوز الخمسين درجة كما فى دول الخليج ودول كثيرة، بل شمسه وحرارته كأن الله وضع فى قلبيهما الحنان فهى حرارة ليست حارقة.. بل محتملة.. بل وليالى الصيف معظمها لطيفة الطقس.. وكذلك خريف بلادنا ليس كئيباً ولا مزعجاً.. يأتى فى هدوء ويذهب فى هدوء بلا مشاكل ولا منغصاً علينا حياتنا.. وشتاء مصرنا بالمقارنة بشتاء دول أوروبا وأمريكا وآسيا بل ودول قريبة منا شتاء عبقرى.. لا جليد فيه ولا درجات حرارة تحت الصفر ولا سيول مدمرة.. بل شتاء مشمس شبه دافئ معظم أيام الشتاء..

هذا عن طقس مصرنا العبقرى.. أما عن عبقرية طبيعة مصرنا فهى عبقرية شديدة التميز.. نهر يشق البلاد طولاً وعرضاً.. وبحر أبيض متوسط وبحر أحمر، أى نهر وبحران، بخلاف قناة السويس ذلك المشروع العبقرى الذى ربط بين البحرين، وآثار فرعونية وقبطية وإسلامية تمثل الثلث الأفخم من آثار العالم..

هذه هى مصر عبقرية الموقع والطبيعة والطقس.. وأذكر أننى كان بينى وبين أحد كبار رجال الأعمال موعد فى مكتبه المطل على النيل وكان الرجل تواً عائداً من جولة أوروبية وكنا فى منتصف فصل الشتاء.. وكانت شمس القاهرة مشرقة ودافئة.. ووجدت الرجل يقطع استرساله فى الحديث الذى كنا بصدده ويقول وهو يبتسم ويتنهد: عارف إن مصر دى جميلة قوى.. ونعمة كبيرة قوى إحنا مش حاسين بيها، فطقسها عبقرى وموقعها وطبيعتها عبقرية وأخذ يسرد ذكرياته مع سوء الطقس فى الدول الأوروبية خلال مدة جولته هناك.

كذلك أذكر زيارة لى للندن وكان الجو كطبيعة إنجلترا شديد التقلب طوال اليوم.. فمن المعتاد هناك أن ترى فصول السنة الأربعة خلال اليوم الواحد.. برد قارس وضباب وأمطار شبه رعدية.. ثم بعد أقل من ساعة شمس حارقة.. ثم جو معتدل.. ثم أمطار وبرد قارس وكنت فى ضيافة صديق لى هناك على الغداء فى مطعم فخم يطل على نهر التايمز ولم نستطع من سوء الأحوال الجوية الاستمتاع بطبيعة النهر ويومها قال لى صديقى إدوارد سعيد الذى يعيش فى لندن منذ أكثر من ثلاثين عاماً تتخللها زيارات خاطفة لمصر.. قال لى وهو يتنهد بأسى: عارف إن بلدنا مصر حلوة قوى.. وجميلة قوى.. أجمل فى كل شىء من أى مكان فى العالم.. ولكن... فقلت له.. ولكن ماذا؟! قال للأسف عيبها فى أهلها اللى مش مقدرين عبقريتها واللى دايماً هاينينها. ويومها تطرقنا إلى الحديث عن سلوكيات المصريين وتكوينهم النفسى فقال لى جملة قصيرة بليغة فى منتهى الصدق والحكمة «الشعب المصرى شعب طيب وأصيل بس عيبه إنه ما ترباش».. فعلاً إحنا شعب مش متربى. ولو كنا اتربينا كنا خلينا من مصر جنة.. ولو كنا اتربينا ماكناش دلوقتى ومن سنين طويلة عايشين على الشحاتة والتسول منح ومعونات وقروض.. كنا احترمنا قيمة العمل واشتغلنا.. لو كنا متربيين ما كانتش شوارع بلادنا الجميلة أصبحت من أقذر شوارع العالم.. لو كنا متربيين ما كانتش تبقى لغة الشوارع ألفاظ جارحة تخدش حياء أجدعها شنب.. لو كنا متربيين كنا اشتغلنا وبقينا دولة زراعية وصناعية كبرى.. كنا على الأقل استغلينا طقس وموقع وطبيعة بلدنا الاستغلال الأمثل.. كنا على الأقل ما حقرناش من شأنها، كنا على أقل تقدير بقينا أكبر دولة جاذبة للسياحة.. كنا على الأقل بقينا بنى آدمين.. . كنا على الأقل حسينا بقيمة بلدنا اللى هية فعلاً خسارة فينا..

نقلاً عن صحيفة "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.