سهل أن نعقّد حياتنا، بل إنك لتظن أنه الشيء الذي نجيد إتقانه. أمّا أصعب المهمات فهي أن نجعلها حياة أسهل بأقل تعقيد. وهنا لا تخلط التفاهة بالسهولة. فأن تكون حياتك فارغة وسخيفة وبلا إنجازات ولا على الصعيد الشخصي، فتبتسم وتعتقد أنك سهلتها على نفسك، فهذا هو الخلط بذاته. ما أعنيه بتسهيل حياتك أننا كلنا سنموت، ولكن هل كلنا سنعيش؟ فإذا عشنا وكبّرنا «السالفة» بالطموح والعمل وتحقيق الأحلام، فهل فعلنا ونحن نبسّط الأمور التي تصادفنا في الطرقات؟ أم أننا زدناها عقبات على عقباتها؟ هذا هو السؤال! ولا تنتظر من أحد أن يسهلها عليك. لأن حقيقة الواقع تبرهن كل يوم أن الناس في حياتك غير معنيين بتلطيفها عليك - إلاّ ما ندر وندر جداً ولا يقاس عليه - لذلك فهي تعود إليك وحدك! إمّا تسهلها على عمقها، أو تعقدها على عمقها! والخيار لك.

وأنت في عمر أصغر، لا يتملّكك الخوف من القادم. ولكن الحماسة والشعور بالإثارة من هذا الآتي ومعه صور من خيالاتك عنه. وكلما تقدم بك العمر، فترت حماستك ونقص تعلقك (أو هكذا يفترض)، وتنحنح خوفك وعلا صوته. فخيالاتك تحولت إلى أفكار هائمة تجمعت فولدت خوفاً لا تعرف كنهه. فلربما من تجارب اكتويت بنارها، وربما مما سمعته ورأيته في دنياك. وكأن الإنسان كلما طال به العيش، عاش أقل في فرحه وأمله. لذلك هي استراتيجية جبّارة. فأن تستدل على التوليفة التي تجعل حياتك أسهل، فإنما تحتاج إلى عقل يفكّر كيف يحب نفسه أولاً. فهل تحب نفسك أم أنك الأناني الذي توهم أنه يحب نفسه؟ فحب النفس والروح «فن غامض» لا يسبر غوره إلا مطلع وفاهم وذو إرادة تعي وتطبق. حب النفس هو علاقة الحياة الرومانسية الأطول. وفي أحيان لا تكون بداياتها مشجعة أو موفقة. وعليك وحدك أن تحولها إلى علاقة أمتع وأسهل. كيف؟ أنت المخول لمعرفة الجواب.

هل تقدر على إطالة عدد أيامك؟ ولا حتى ثانية واحدة. ولكنك قادر على تحويلها إلى أيام أنسب بمفهومك للأنسب. فحين نصحتها أي الرجلين تختار، أجابتها الحكيمة: لا تختاري الرجل الأفضل، ولكن الشريك الذي يجعلك أفضل. وهذه هي! فليس علينا اختيار الأحسن في أي شيء وكل شيء، ولكن ما يجعلنا أحسن إن اخترناه، أكان شريكاً أم صديقاً أم عملاً أم حتى اقتناء. وللناس فيما يهوون مذاهب ومشاعر. والهواية مثل الحياة لا تفهمها وما تحدثه فيك إلاّ بالنظر إلى الوراء وبأثر رجعي. فهل أطلعك على السر ولا تفشيه؟ إنه الإصرار. فالحظ دائماً ما يبتسم أمام الإصرار. فأصر على ما يجعلك أحسن وإن لم يكن الأحسن. ولا تنتظر أثره فيك في حينه. ولكن أمهله فرصة ليتخمر وتشم عطره فيك.

أجمل ما في الحياة وجود الاحتمالات. وأجمل ما في الفن إعادة صياغة الأسئلة أملاً في الأجوبة. فكيف بوجود الاحتمالات والفنون لا نشعر بعظمة الحياة؟ وكيف حولناها إلى شيء ننتظره أن ينتهي ويخلّصنا؟ سياسة إنسان فاشلة ولم أقل «فاشل»، لأنها تعود إلى السياسة وبإمكان الإنسان أن يغيّر فيها ويبدّل. أم هل نسينا أن الحظ يبتسم أمام الإصرار، ويعبس في وجه الانهزام والنفس القصير. وبالعموم، يظل الفشل أكثر تقبلاً من الندم. فمع الفشل احتمال النجاح ثانية. أمّا الندم فيعني أن الفشل قد تمكن منك أكثر مما يجب. وبالمناسبة، أحياناً ما يكون الفشل والندم دليلين على أننا ربحنا. فكّر بهذا الشكل الإيجابي والواقعي وأنت الرابح في المرة المقبلة. فطالما أنك لم تفقد حماستك لتكرار المحاولة، فأمورك بخير. أمّا الإحباط وخيبات الأمل فهي ثمن معرفتك بالناس أكثر، وإصرارك على معاودة الكرة أكثر وأكثر. ولكن الحظ الذي يعشق الانحناء للإصرار... هذا الحظ يستحق العناء.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.