الكارثة المستمرة في سوريا والمعاناة التي تسببها للشعب السوري تشكل مصدر قلق كبير للحكومة البريطانية، بات يتصدر أولويات السياسة الخارجية للمملكة المتحدة. إن نفق المعاناة لن ينتهي إلا بإنهاء الصراع ككل، لهذا لا بد من الركون إلى الحل الجذري الوحيد المتمثل في المضي قدماً بالعملية السياسية المستمرة في مفاوضات "جنيف 2" التي نصب فيها ثقلنا الدبلوماسي والسياسي باستخدام نفوذنا الدولي، فهدفنا يكمن في التوصل إلى تسوية سلمية تمهد لمرحلة تحوّل سياسي ووضع حد للعنف في سوريا، هذا هو السبيل الوحيد لتهيئة الظروف التي من شأنها أن تخول جميع اللاجئين السوريين تحقيق ما يصبون إليه: العودة إلى الديار.

المملكة المتحدة تضطلع بدور ريادي دولياً على المستوى الإنساني في محاولة للحد من المعاناة الإنسانية في سوريا، فهي ثاني أكبر جهة مانحة بشكل ثنائي في العالم بعد الولايات المتحدة، لقد قدمت ما يقرب من مليار دولار لجهود الإغاثة السورية حتى الآن، ولا تتوانى عن تقديم الدعم اللازم للدول المجاورة المستضيفة لسيل اللاجئين الذين تستقبلهم بسخاء.

من هذا المنطلق، وبناء على تقليد عريق تفخر بريطانيا في تأمين الحماية اللازمة للمحتاجين، وبعد مشاورات حكومية عدة وأخرى جانبية مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يأتي إعلان الحكومة الأخير باعتماد برنامج جديد لضمان ملاذ طارئ في المملكة المتحدة للاجئين السوريين الأكثر عرضة للخطر.

ونظراً إلى الحالات الطارئة المسندة إليها، ستقوم الحكومة البريطانية بالعمل فوراً على تقديم ملاذ آمن لمئات من هؤلاء السوريين المستضعفين، وفق ثلاثة مبادئ:

- الأول: يقضي بتوجيه المساعدات على نحو يكون لها أثر مباشر على أكثر الفئات عرضة للخطر من اللاجئين. وفي هذا السياق، سيتم التركيز على الحالات الفردية التي يمثل إجلاؤها من المنطقة الخيار الوحيد، وعلى وجه الخصوص، ستمنح الأولوية للناجين من التعذيب والعنف، كما للنساء والأطفال المعرضين للخطر أو الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية.

- الثاني: يرتكز على أن يترافق تطبيق هذا البرنامج مع برنامجين لإعادة التوطين تعمل المملكة المتحدة على تنفيذهما بالتعاون مع المفوضية العليا للاجئين، إضافة إلى طلبات اللجوء التي ستواصل الحكومة النظر فيها بموجب قواعد اللجوء المتبعة لديها. المملكة المتحدة استقبلت منذ اندلاع الأزمة في سوريا نحو 3500 طالب لجوء - وهذا رابع أكبر رقم في الاتحاد الأوروبي - وتم اعتبار 1100 مواطن سوري في السنة المنتهية في سبتمبر 2013.

- المبدأ الثالث: يتمثل في عدم التزام نظام حصص محدد لاستقبال اللاجئين، لضرورة تركيز دعم الحكومة على الأفراد الأكثر ضعفاً، وتالياً لن يتم تحديد أهداف أو رسم حدود معينة، إنما سيتم النظر في بضع مئات من حالات اللجوء. وتبقى مسؤولية تحديد قبول الطلبات رهن الحكومة البريطانية ومفوضية اللاجئين معاً.

الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين يريدون بلا شك العودة إلى ديارهم والعيش في سلام. في إطار هذا البرنامج، سيتم تقديم إقامة مؤقتة في المملكة المتحدة، مع الاستمرار في النظر في كل حالة على حدة، وفق تطور الظروف في سوريا، وسيتاح للاجئين المقبولين في المملكة المتحدة ضمن هذا المخطط، إمكانية الانخراط في سوق العمل، والاستفادة من جملة من الفوائد الأخرى أسوة بغيرهم من اللاجئين.

نأمل من خلال هذا البرنامج أن نقدم مزيداً من الدعم لمن هم في أشد الحاجة إليها، غير أن الحل الحقيقي للأزمة السورية ولأزمة اللاجئين، يبقى رهناً بالتوصل إلى حل جذري للحرب في سوريا، وستواصل المملكة المتحدة بذل قصارى جهدها لتحقيق هذا الهدف.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.