في مدينة جرادة شرق المغرب، لا تكاد تمر سنة دون أن تقتل "مناجم الفحم" الموجودة فيها عدداً من أبناء المدينة خلال رحلة بحثهم عن لقمة عيش لأسرهم، إما اختناقاً في الأنفاق أو تحت صخور تنهار على أجسادهم أو على سطح الأرض بمرض السيليكوز، في ظل غياب نشاط اقتصادي آخر يغنيهم عن المخاطرة بحياتهم كل يوم.

في هذه المدينة المنجمية المعروفة بثرواتها الباطنية، والتي يقتات أغلب سكانها على الفحم، الموت يتربص بالعمال صباح مساء في مناجم تفتقد لأبسط قواعد الأمن والسلامة وتستخدم فيها طرق بدائية في الحفر أو في استخراج الفحم، بعد أن تخلت الدولة عن استغلالها وتركتها للسكان ليكسبوا منها قوتهم اليومي.

هذه المناجم وإن مثّلت مصدر رزق للعديد من الأسر، فإنها في المقابل تسببت في مقتل العديد من أبنائها شباباً وكهولاً وشيوخاً، خلال السنوات الماضية، وآخر الضحايا شابان من أسرة واحدة (دعيوي حسين 30 سنة ودعيوي جدوان 23 سنة) اختطفهما الموت يوم الجمعة الماضي عندما كانا بصدد التنقيب عن بعض الكيلوغرامات من الفحم، قبل أن تغمر المياه المنجم الذي كانا يعملان فيه، ما تسبب في وفاتهما.

هذا الحادث، فجرّ غضب الأهالي ودفع بهم للخروج إلى الشارع بسبب استمرار الحوادث القاتلة داخل المناجم، فاندلعت احتجاجات شعبية داخل المدينة لا تزال متواصلة إلى اليوم الثلاثاء، حيث سيتم تنفيذ إضراب عام بالمدينة، تنديداً بالأوضاع التي يعيشها السكان وغياب التنمية والتي تدفع الشباب إلى الإقبال على المخاطرة بأرواحهم داخل مناجم غير مهيأة من أجل استخراج الفحم الحجري وبيعه لـ"مافيا الفحم" مقابل مبلغ زهيد.

يقول الصحافي سعيد بوغالب وهو من المدينة، إن هذه المناجم أو الآبار، "استفاد منها فقط بارونات الفحم واغتنوا على كاهل الكدح وخصوصاً الشباب بالنظر لواقع المدينة الاقتصادي المنهك بعد إغلاق المناجم وعدم طرح بدائل اقتصادية".

وأضاف في تدوينة على صفحته في "فيسبوك" أن "مدينة جرادة استنزفت خيراتها، وترك فيها الفقر، فلجأ الشباب إلى المناجم لاستخراج الفحم وبيعه بثمن بخس، لينتشر الموت في صفوفهم، وينتشر مرض السيليكوز".

ويقول حسام الدين الشرابي ابن المدينة إن "الذين لا يموتون في الأنفاق يموتون على سطح الأرض، بمرض السيليكوز الذي يصيب الرئة ويسببه غبار الفحم وعدم توفر الأكسجين في أعماق المناجم"، مؤكداً تعليقاً على الأحداث التي حصلت في مدينته أن "المناجم تمثّل تهديداً صحيّاً للسكان الذين رغم الحوادث المميتة يواصلون العمل فيها، لأنه لا يوجد بديل غيرها، إنها لقمة العيش".

وأغلقت الدولة المغربية مناجم مدينة جرادة سنة 2001 بطريقة رسمية بسبب عدم توفر الاحتياطيات الكافية من الفحم الحجري، وارتفاع كلفة استخراجه وإنتاجه مقارنة بالفحم المستورد من دول أوربية، لكن الأهالي وبسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وغياب مواطن الشغل، اضطروا للعودة إليها والحفر من جديد بطرق عشوائية غير قانونية وبوسائل بدائية لا تتجاوز الفأس والمطرقة وقضيب حديدي ومعه استخدام جهد عضلي كبير لاستخراج الفحم من قاع المنجم إلى سطح الأرض".

وتبعا لهذا الوضع وظروف العمل والعيش القاسية المحفوفة بالمخاطر، والنداءات المتكررة للسلطات بالتدخل والبحث عن حلول، قال رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، أمس الاثنين خلال جلسة مع البرلمان، بأنه "مستعد لاستقبال برلمانيي الجهة الشرقية للوقوف على البرامج التنموية في مدينة جرادة والتعرّف على مشاكل المناجم السريّة"، وذلك بعد الانتقادات التي وجهت للحكومة من قبل بعض نواب المعارضة وتحميلها مسؤولية حالات الوفاة التي تحدث بين فترة وأخرى داخل مناجم الفحم بمدينة جرادة ومطالبتها بتوفير بدائل أخرى للسكان توفر لهم مواطن شغل أخرى بعيدا عن ما وصفته بـ "مناجم الموت".