كل الذين التقوا الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، خلال الأشهر الأخيرة، تحديداً منذ تاريخ عقد المؤتمر العاشر لحركة النهضة الإسلامية، الذي حضر جلسته الافتتاحية، والذي كان مؤتمرا استعراضيا بشهادة الملاحظين في الداخل والخارج، يؤكدون أن السبسي عبر منذ ذلك الحين عن قلق وصل حد الانزعاج، من حصول خلل بالتوازن في المشهد السياسي، ونعني هنا عودة هيمنة "النهضة" على الخارطة الحزبية، مقابل تفكك حزب "نداء تونس"، من خلال انقسام قيادته التاريخية، وكذلك كتلته البرلمانية وبالتالي تحول "النهضة" إلى الكتلة الأغلبية في البرلمان، في نظام سياسي هو أقرب إلى البرلماني، مثلما نص على ذلك دستور يناير 2015.

البحث عن التوازن السياسي المفقود

تعددت مساعي ومبادرات السبسي، الساعية لتجاوز أزمات حزب "نداء تونس"، بما يسمح بإعادة التوازن للحياة السياسية والحزبية، الذي نجح فيه أثناء قيادته لهذا الحزب، ليجعل منه تنظيماً واسعاً، ومتعدد الروافد الفكرية والأيديولوجية، استطاع إقصاء الإسلاميين من السلطة، عبر انتخابات حرة وديمقراطية، لكن خروجه منه، بعد انتخابه في مركز رئاسة تونس، كان له وقع سلبي على هذا الحزب، الذي فاز بالانتخابات البرلمانية، لكنه عجز عن الحكم، كما عجز عن المحافظة على وحدته التنظيمية والقيادية، وتعددت أزماته ليصبح عمليا في حكم الغائب، برغم أنه في منظور المتابعين يعد الحزب الحاكم.

ولولا السلطة الرمزية للرئيس السبسي، لما بقيت كتلة النداء البرلمانية موحدة على موقف واحد رغم انقسامها التنظيمي، وهو ما سمح للرئيس بالمبادرة بصفة منفردة بتعيين يوسف الشاهد رئيسا لحكومة "الوحدة الوطنية"، التي خلفت حكومة الحبيب الصيد، التي يعتبرها الرئيس، ومثلما جاء في مبادرته السياسية، بتاريخ 2 يونيو قد عجزت عن تحقيق منجز اقتصادي وتنموي، ما سيكون له ارتدادات سلبية في المستوي الاجتماعي، وهو ما برز في الواقع من خلال تصاعد الحراك الاحتجاجي، في أكثر من مدينة ومحافظة، فضلا عن تعطل الانتاج في قطاعات هامة مثل السياحة والطاقة والفوسفات. وضع قال الرئيس السبسي إنه لا يمكن أن يستمر، وإن الحل يكمن في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكان له ما أراد.

محاولات لبعث الروح في "نداء تونس"

مع ذلك، بقي السبسي منشغلا بغياب التوازن الحزبي، عبر اعادة بعث الروح من جديد في "نداء تونس"، مستفيداً هذه المرة من الاجماع الحاصل حول رئيس حكومة الوحدة الوطنية، يوسف الشاهد، الذي تكمن قوته الرئيسية في الدعم الرئاسي له، ليكون الشاهد العصفور النادر لقصر قرطاج، للجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب الحاكم (نداء تونس)، ويصبح بالتالي رئيسا للأغلبية البرلمانية.

مقترح وإن قوبل حتى الآن بالرفض، من داخل الحزب ومن خارجه، فإن من خطط ودبر له لا يتوقع أن يرمي المنديل، خصوصا وهو الطريق والخيار المتبقي لإنقاذ حزب الرئيس الباجي قائد السبسي.

في هذا السياق، يتنزل الحراك السياسي، الذي انطلق منذ فترة من قصر الرئاسة بقرطاج، والذي يراد له أن تكون غايته إعادة هيكلة حزب "نداء تونس"، وان كانت المبادرة في ظاهرها قادمة من خارج القيادات الندائية، التي أصبحت عاجزة عن الالتقاء حول كلمة واحدة، وبالتالي فإن الإصلاح لا يمكن أن يكون إلا بعملية جراحية، عبر دفع "القيادات المشاكسة" و "الغاضبة" إلى المغادرة، وتعويضها بوجوه جديدة سواء من التي سبق لها أن غادرت أو من حساسيات أخرى انضمت لحكومة الوحدة الوطنية، مع توظيف الادارة وأجهزة الدولة لدعم "الحزب الحاكم"، وهي عملية ممكنة في ظل وجود "قابلية" لدى قطاع كبير من التونسيين ومن النخبة لوجود حزب قريب أو حتى متماهٍ مع الدولة، برغم وجود معارضة قوية من استنساخ تجربة التداخل بين الحزب والدولة، لكنه تداخل أطل بقوة من خلال التعيينات في المناصب الهامة في الدولة، وهو نهج يتوقع أن يستمر وسيكون مساعدا وحافزا لإعادة بناء وهيكلة حزب "نداء تونس".

سند حزبي "حاكم" لحكومة الشاهد

وستكون مبادرة دعم حكومة "الوحدة الوطنية"، بمثابة مقدمة "لتأهيل النداء" وإعطاء القيادة لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد. وبهذا فإن الحراك السياسي، سواء الخفي والذي ما زال في طور الكواليس، أو المعلن عنه من خلال لقاءات علنية، أهمها التي أجراها هذا الأسبوع، السبسي مع نواب عرفوا بتحمسهم لإيجاد حزام سياسي وحزبي حول الحكومة، مثل النائب عن حركة "مشروع تونس" وليد جلاد (وهو ندائي في الأصل قبل أن يستقيل). وكان جلاد قد صرح بعد لقاء الرئيس بأن "اللقاء تمحور حول الوضع العام بالبلاد من ذلك الحياة السياسية.

وعلمت "العربية.نت" أن هناك حوارات ونقاشات جارية، تشارك فيها شخصيات سياسية مساندة للحكومة أو مشاركة فيها، نقاشات محورها بعث جبهة تكون بمثابة حزام وسند سياسي وحزبي منضبط لحكومة يوسف الشاهد، ولعل الاطار التنظيمي الأقرب يبقى عبر ترميم "نداء تونس"، وأن الحل لا يكمن في حل هذا الحزب، أو الابقاء على حالة التفكك والتأزم التي هو عليها الآن. فالسبسي، يدرك أكثر من غيره أن بقاء الحكومة بدون سند حزبي قوي يعني اضعافها في مرحلة أولى، ثم اجهاضها على غرار ما حصل مع حكومة الحبيب الصيد، التي بقت معزولة في مواجه حراك احتجاجي وأزمة اقتصادية خانقة زيادة على مخاطر الارهاب.

كما أن وجود حزب حاكم قوي قد تكون أملته استعدادات الحكومة للشروع في تنفيذ إصلاحات كبرى، خاصة في المجال الاقتصادي لا يستبعد أن تكون مقترنة بسياسة تقشفية، ستكون لها قطعا ارتدادات اجتماعية، تفترض وجود دعم وتضامن كبيرين وحقيقيين حول الحكومة، وهو ليس متوفرا حاليا، رغم أن الحكومة تحظى بقاعدة سياسية واجتماعية كبيرة، لكنها قاعدة على الورق، ولا وجود لها في الواقع.