الآن وقد انتهت تغطيتنا الخاصة بالوثائق الأمنية السورية المسربة، المعروفة باسم "سوريا ليكس"، فلعل الوقت بات مناسباً لإبداء الرأي حول بعض الأمور التي قيلت منذ بدأنا، في قناة العربية، بالكشف عن المضمون الخطير لهذه الوثائق منذ حوالي أسبوعين.

لنضع الأمور في نصابها، فقد أعلنا منذ البداية أننا حصلنا على هذه الوثائق من عناصر في المعارضة السورية، وتحديداً من مجموعة تسمى "سوريا الجديدة".

ونحن كمحطة إخبارية، كنا قد تعاملنا في السابق مع هذه الجماعة، التي كانت ومازالت واحدة من مصادر عدة تزودنا بالأخبار والمعلومات منذ باشرنا تغطية التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في سوريا في بداية العام الماضي.

يذكر أن الوثائق التي بثت على شاشتنا، ثبت صحتها في السابق، فمازال متابعو "العربية" يتذكرون أول مجموعة حافلة بالمعلومات الحقيقية والمثيرة للصدمة من الرسائل الإلكترونية للرئيس السوري بشار الأسد والتي نشرناها في شهر مارس الماضي. نشرنا أكثر من ثلاثة آلاف رسالة كلها ثبت صحتها لاحقاً.

وفي شهر يوليو الماضي نشرت "العربية" حزمة أخرى من الرسائل الإلكترونية التي نالت حصتها من الجدل، رسائل البريد الإلكتروني لابنة مندوب سوريا في الامم المتحدة، شهرزاد "شيري" الجعفري.

في ذلك الوقت، لامنا البعض على قرارنا نشر مضمون هذه الرسائل الإلكترونية، معتبرين أنها رسائل ذات طابع شخصي وأن نشرها يدخل ضمن نطاق انتهاك خصوصية أصحابها، ومع ذلك، فقد تمسكنا بالقرار الذي اتخذ بالتشاور مع فريق العمل عندما ناقشنا في الموضوع، وهو أن نشر هذه الرسائل يصب في خانة "الصالح العام"، وتحاشينا نشر الرسائل ذات الطابع الشخصي الفضائحي.

وبفضل تسريباتنا عن "شيري"، فإن العالم كله أدرك، من بين أمور أخرى، أنها حصلت على توجيهات من مديرها في شركة العلاقات العامة النيويوركية، بي.ال.جي، يطلب منها عدم ذكر أية معلومات حول نظام الأسد لجوان جولييت بوك، رئيسة التحرير (السابقة) لمجلة فوغ والتي كتبت سيرة ذاتية تمتدح فيها، بشكل غير مسبوق، السيدة الأولى في سوريا، أسماء الأسد. (لم يكن ممكناً أن يتم اختيار توقيت أسوأ، حيث إن المقالة نشرت في بداية عام 2011، حين كان شبيحة الأسد يحطمون ليس أحلام المطالبين بالديمقراطية ولكن عظامهم أيضاً).

عذراً لتخييب آمالكم

إن السبب الكامن خلف هذه المقدمة الطويلة، هو رغبتنا في الاعتذار من عدد من منتقدينا على خيبة الأمل التي ستصيبهم مما سأقول.

فإلى كل الصحافيين البارعين الذين نسوا أو لم يكلفوا نفسهم عناء الاتصال بنا للحصول على وجهة نظرنا، وإلى كل المدوّنيين الذين يظنون أنه يمكنهم أن يقوموا بعمل أفضل منا من المقاهي حيث يعملون، رجاءً تقبلوا صادق الاعتذار لما يلي:

للأسف، يؤسفني أن أقول إنه ليس لدينا "أجندة خاصة" وراء نشر هذه الوثائق سوى القيام بواجبنا المهني بنشر الأخبار، بأكبر قدر ممكن من الدقة والاحتراف، وإنه لا توجد لدينا مطابخ خاصة في قناة العربية، لإنتاج وفبركة هذا النوع من الوثائق.

كما أننا لم نكن "مجبرين" على نشر الوثائق الأمنية المسربة حديثاً، فلقد كان قراراً مهنياً اتخذناه كصحافيين، وقد تم التوصل اليه (القرار) بعد أسابيع أمضيناها في التحقق من البيانات ومقارنتها، وكما حدث مع الرسائل الإلكترونية لشهرزاد، فإن قرار الموافقة على النشر كان جماعياً.

هناك أولئك الذين يبنون رأيهم على تخمينات ساذجة بالقول إنه ما دامت السعودية، شأنها شأن معظم دول العالم، تعارض ذبح الشعب السوري، وبحكم أن قناة "العربية" "مملوكة من شركة سعودية"، وبالتالي فإنه "لابد" من أن يكون لهذه القناة أجندة ضد الأسد.

ولبسطاء العقول هؤلاء أقول: أولاً، صحيح أن قناة العربية، "مملوكة سعودياً"، لكنها كذلك على قدر ما أن شبكة سي.إن.إن "مملوكة من أمريكا"، لكن حتى ذلك لن يكفي المشككين الذين يستخدمون كون سي.إن.إن "مملوكة أمريكيا" لنسف مصداقيتها كذلك، وهو ما يفعله النظام السوري مع هذه الشبكة لضرب مصداقيتها، وكذلك مع كل محطة تلفزيونية، وصحيفة، ومراسل، ومنظمة معنية بحقوق الإنسان لا تنقل الأخبار بأسلوب يشبه الطريقة التي تتبعها وسائل الإعلام السورية المملوكة من الدولة أو الخاضعة لسلطتها.

وفي الواقع لستُ معنياً بما يريد الرئيس الأسد أن يقنع العالم به حول وجود مؤامرة كونية ضده، لكن الواقع هو أنه تم إحصاء 28 ألف إلى 36 ألف قتيل منذ اندلاع الأزمة السورية، وأن هذه الأرقام ليست من ابتكار قناة "العربية"، بل إنها الإحصاءات الرسمية التي نشرتها الامم المتحدة وجهات الرصد الاخرى.

والسؤال إذا: ماذا كان علينا أن نفعل؟ هل نحجم عن نشر أخبار الارتكابات الوحشية؟ هل نتجاهل وجود مئات آلاف النازحين المشردين، الأطفال والنساء والشيوخ، الذي فرّوا من آلة قتل نظام الأسد وينتهي الأمر بهم في مواجهة شتاء قاسٍ من دون أمل في العودة الى حياتهم الطبيعية؟

وبالتأكيد فلا حاجة بنا الى القول، إن السوريين لم يقرروا النزوح الى مخيمات اللاجئين رغبة منهم في تغيير مكان سكنهم، لقد أجبروا على ذلك، تماماً كما أن المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية لم يموتوا من تلقاء نفسهم أو من دون سبب... بل إنهم قد تعرضوا للقتل.

الوثائق المسربة

لنعود لموضوع الوثائق التي نشرناها على مدى الأسبوعين الماضيين.
أولاً، لقد أوضحنا منذ البداية أننا حصلنا على هذه الوثائق من مصادر المعارضة، وكإعلاميين محترفين، نحن ندرك أن هذا يعني، طبيعياً، أن مصادرنا قد كانت انتقائية في اختيار ما تسربه إلينا.

ثم، إننا أعلنا مسبقاً أن مصادرنا تحتفظ لنفسها ولأسباب يتعلق بأمنها بطريقة حصولها على هذه الملفات السرية للغاية.
كما أننا أعلنا أننا أمضينا فترة من الزمن لمراجعة هذه الوثائق ومضمونها (وهو ما قمنا به)، ولست أكشف سراً إذا قلت إننا نملك كماً هائلاً من الوثائق والأخبار، والمعلومات التي تصل قسم الأخبار ونرفض الأخذ بها كلها، وبالتالي فإنني أعرف أنه كان يمكننا أن نرفض هذه التسريبات أيضاً.

أما بالنسبة الى موضوع الحصول على مصادر أخرى للتأكد من صحة الوثائق، فإن الكثيرين، خصوصاً أولئك المدونين الغارقين في أحلام اليقظة، يميلون الى ان ينسوا أو يتناسوا أن الأزمة تحدث فعلاً في بلد يحكمه واحد من الأنظمة الأكثر سرية وأحادية القرار في العالم.

ولمن لا يعلم حقيقة الأمر، فالنظام السوري ليس من النوع الذي يوفر لك المعلومة عبر وجود مكتب صحافي يمكن الاتصال به، كما أنه لا يمكن أن يتوقع منه حصول تحقيق مستقل حول الانتهاكات التي تقع بحيث يتم تحميل المسؤولية للطغمة الحاكمة ودفعها الى تقديم استقالتها الجماعية.

رغم إداركنا هذه الحقائق، فإنني أعجز عن أن أتذكر عدد المرات التي حاولنا خلالها دعوة المسؤولين السوريين للظهور على شاشتنا، وهم كانوا إما يرفضون وإما يمتنعون عن الإجابة على اتصالاتنا.

دعونا لا ننسى أنه، ومنذ بداية الأزمة في سوريا، بادر النظام السوري الى منع مراسلينا، الى جانب كل مراسل أجنبي رفض نشر الاخبار بالطريقة التي تناسب النظام.

ولا حاجة بنا الى القول إنه قد يكون ذلك أقصى ما يرغب به الاسد، ألا نكون هناك، وألا يظهر مسؤولو النظام على شاشاتنا او أي شاشة أخرى... فيستطيع بذلك أن يدعم نظرية المؤامرة المزعومة بالقول إننا نعمد، قصداً، الى الامتناع عن نقل وجهة نظره.

العربي الغاضب

ونصل الآن الى الانتقادات التي وجهت الى الوثائق المسربة: لن أتناول في تعليقي الدول التي لم تصدر عنها أية تعليقات على الإطلاق، او تلك التي علقت بطريقة خجولة، على مضمون الوثائق المسربة، حيث إنه من النادر ان يعلن السياسيون عما يفكرون به، او ان يعنوا فعلاً ما يقولونه.

والواقع أن العديد من الأمور المذكورة في الوثائق المسربة كانت معروفة لدى العديد من الأشخاص، ومع ذلك فقد بذلنا جهداً للتأكد من مضمون هذه الوثائق ولم نقبل بنشرها من دون مراجعة.

ولكن، يبدو ان كل ذلك لم يكن كافياً بالنسبة الى "عربي غاضب" على وجه التحديد.

بالطبع إنني أعني أسعد أبوخليل، المفترض انه أستاذ مقيم في كاليفورنيا، والذي استغل مدونته في صحيفة "الأخبار" بنسختها الانكليزية الصادرة في لبنان، ليهاجم مصداقية قناتنا ومالكيها، بالإضافة الى إحدى أبرز مقدمي البرامج في العربية الزميلة الموقرة جيزال خوري.

ثم بدأ يشكك في مصداقية كل الوثائق المسربة، زاعماً أنه "انتهى الزمن الذي كانت فيه أجهزة الاستخبارات العربية تصدر أوامر خطية بالاغتيال"، مضيفاً أن "الأنظمة العربية، خصوصاً الأنظمة البعثية، مشهورة باعتمادها على مجموعة صغيرة جداً من الأشخاص (وعلى قاعدة المعرفة على قدر الحاجة) في تنفيذ قرارات الاغتيال. ولا يمكن أن تترك أية آثار على الورق".

وبمعزل عن التحليل الذي يوحي بدراية لافتة لهذا البروفيسور على أسلوب عمل أجهزة الاستخبارات العربية والديكتاتوريات، يصدمنا أن يكون أبوخليل قد استخدم كل معرفته الأكاديمية في سبيل "مهاجمة ناقل الرسالة" من دون تكلف عناء تحليل مضمون الوثائق.

ولو أنه أفادنا بتحليل أكاديمي مرموق للوثائق، لكنا نشرنا نظريته بكل سرور، حتى ولو كان ينتقد فيها قناة "العربية".

فنحن نشرنا وأذعنا، على سبيل المثال، إنكار حزب الله أي علاقة له باغتيال النائب السابق وناشر صحيفة "النهار" اللبنانية الراحل جبران تويني، كما كان قد ذكر أحد التقارير المسربة في "سوريا ليكس".
بالطبع، فإنني أكره "مهاجمة ناقل الرسالة" أيضاً، لكن إذا أراد أبوخليل أن يشكك في مصداقيتنا على أساس ملكية مؤسستنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يكتب هو في صحيفة معروفة بخدمتها أجندة إيرانية وسورية؟

* فيصل عباس، رئيس تحرير موقع "العربية" باللغة الإنكليزية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.