حلت الذكرى الثانية لما كان اعتُقِد أنها ثورة من أجل الكرامة والحرية في تونس ومصر (14 و25 يناير/كانون الثاني 2011) والبَلَدان مازالا غارقين في مشكلات المرحلة الانتقالية . في تونس عمل النظام الجديد الذي يقوده حزب الإخوان المسلمين (حزب النهضة) على تجميع أطياف الحركات الإسلامية اليمينية المتطرفة، وبضمنها الجماعات السلفية القاعدية الهوى والسلوك، تحت عباءته، ووضع المجتمع على شفا هاوية المواجهة التي تبدو شبه محتومة بين حكام الإسلام السياسي الجدد المصممين على تديين المجتمع التونسي، وبين القوى المدنية التي تشكل السواد الأعظم من شرائح المجتمع المتمسكة بالدفاع عن مسار تمدين وتحديث المجتمع والحفاظ على مكتسباته.

وفي مصر يكاد السيناريو التونسي يتكرر بحذافيره تقريباً، من حيث نزوع حزب الإخوان المسلمين (حزب العدالة والتنمية) الذي صعد إلى سدة السلطة في أعقاب ثورة 25 يناير الشبابية والشعبية، للهيمنة بصورة كلية وفورية، وعلى نحو صريح لا يحتمل التأويل، على مفاصل الدولة كافة، حتى غدت هذه المقاربة الإخوانية المصرية للهيمنة، مضرباً للمثل . فلقد شبه حزب الاستقلال المغربي تغول حزب الإخوان المسلمين في المغرب (حزب العدالة والتنمية) بزعامة عبدالإله بن كيران الذي يترأس ويقود الحكومة الحالية بالشراكة الجزئية مع حزب الاستقلال بزعامة عباس الفاسي، شبّه تغوله في السلطة بما يبذله حزب العدالة والتنمية في مصر من جهود محمومة للهيمنة على السلطة في مصر . بل إن حميد شباط الأمين العام لحزب الاستقلال اتهم حزب عبدالإله بن كيران الحاكم بمحاولة “مصرنة” أو “تمصير” المغرب . وهو يقصد بذلك طريقة “تكويش” إخوان مصر على كل مفاصل الدولة المصرية .

على أن التطور اللافت في هذا التغوّل السلطوي لقوى الإسلام السياسي القابضة اليوم على السلطة في بلدان “الربيع العربي”، هو قيام الأحزاب الجديدة الحاكمة في تونس ومصر، وإلى حد ما في المغرب أيضاً، بإنشاء تشكيلات مليشياوية شبه عسكرية تحت مسمى ذي دلالة هو “رابطات حماية الثورة” تابعة بشكل مباشر أو غير مباشر للأحزاب الحاكمة في تونس (النهضة)، ومصر (حزب العدالة والتنمية)، وذلك بهدف حماية “مكتسبات الثورة” ومنع فلول الأنظمة السابقة من العودة إلى السلطة على حد زعمهم، بينما هي في الحقيقة لتثبيت وتوطيد أركان هذه الأنظمة التي تتجه إلى بناء ديكتاتورية جديدة وفقاً للاتحاد العام التونسي للشغل ولأحزاب المعارضة الكبرى في تونس وأحزاب المعارضة المصرية .

وقد تم استخدام هذه المجاميع المليشياوية بالفعل ضد المتظاهرين السلميين في مصر وفي تونس، حتى إن التهامي العبدولي كاتب الدولة المكلف الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية التونسية عن حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات المشارك في “ترويكا” الائتلاف الحكومي، وصف “رابطة حماية الثورة” في تونس بأنها “عصابات لتخريب الثورة” . وحذر من وجود مخاوف لدى الأوروبيين والأمريكيين من مسار الانتقال الديمقراطي في تونس نتيجة ما سماه مجموعات “حماية الثورة” .

في تونس، حيث كان إقحام “رابطة حماية الثورة” في صراع حزب النهضة وحلفائه السلفيين مع أحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني، فاقعاً وفظاً، فقد انعكس ذلك سلبياً على سمعة حزب النهضة متمثلاً في صراع مفتوح مع أحد أكبر مراكز القوى الاجتماعية في تونس وهو الاتحاد التونسي للشغل الذي يصر على شرط حل “رابطات حماية الثورة” قبل الدخول في حوار مع الحكومة .

السؤال الآن لماذا إنشاء مثل هذه التشكيلات شبه العسكرية التي لن تتردد في ارتكاب الفظائع مدفوعة بأيديولوجيتها الإقصائية المتعصبة بحجة حماية الثورة؟ . . أية ثورة؟ . . فليس هناك ثورة بالمعنى الدلالي والعملي لمفهوم الثورة في المعاجم السياسية المختلفة والمتعارف عليها دولياً، إلا لو أن الإخوان وحلفاءهم اخترعوا مفهوماً ومعنى جديدين للثورة .

أما إذا كان المقصود بالثورة - من وجهة نظر الإسلام السياسي الجديد - تحقيق عنوانها الأبرز وهو التغيير، فإننا سنُقر بأن التغيير متحقق في هذه الحالة أو هو في طريقه إلى ذلك، إنما هو ليس تغييراً تقدمياً كما تفترضه فلسفة الثورة في التغيير، بقدر ما هو تغيير ارتدادي خصوصاً على صعيديه الاجتماعي والثقافي اللذين هما على أية حال مرآة عاكسة للأداء الحكومي العام على الصعيد الاقتصادي ومستواه التنفيذي، أي المستوى السياسي .

ثم إن هذا التدافع المحموم والباغي سرعة الانتهاء من “إعادة هيكلة” مؤسسات الدولة والإطباق عليها، بعد إضافة نكهة “رابطات حماية الثورة” الخاصة بفلسفة حكم القوى الجديدة الطارئة على الحكم في بلدان “الربيع العربي”، إلى مزيجها، ليس سوى إعادة إنتاج ونسخ لنموذج الدولة العميقة المزاحمة والحاجبة للوظائف التنموية الأصيلة والحقيقية للدولة المشهرة كجهاز تسيير مجتمعي . وحين تتمكن مراكز قوى الدولة العميقة من إعادة لملمة شتاتها وطاقاتها، بثوب إسلامي سياسي جديد هذه المرة، وبمساعدة وخبرات قوى الدولة العميقة للنظام السابق، فإن الأبواب تكون قد عادت لتُفتح على موجة استبداد جديدة لا تستقيم مع البناء التنموي، فضلاً عن البناء الديمقراطي .

لتأتي المحصلة بعد كل تلك التضحيات التي قدمها شباب ثورات “الربيع العربي” وكأنها “ضربة مقص خلفية” - بالتعبير الكروي - قياساً إلى الوضع العام الذي كان سائداً في البلاد قبل الثورة، إن لم يكن أسوأ .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.