الصور إذ تحاصر مَنْ يقيم خارجها
للمرة الثانية خلال أسبوع واحد أرسل لي لؤي على بريدي الخاص صوراً التقطها من مستشفيات حلب.
في الصورة الأولى يد نظيفة تحمل قدماً مُدماةً منفصلة عن الجسد الذي كانت جزءاً منه. مجرد لمحة، أغلقت الصورة بعدها تلقائياً، ولكنها بقيت عالقة في ذهني. أرعبتني فكرة أنها صورة مركبة.
مصوّر طلب من شخص آخر أن يمسك عضواً بشرياً منفصلاً عن جسم صاحبه وأن يقف أمام الكاميرا، وينتظر حتى تصبح الصورة جاهزة.
الصورة التي لم أستطع النظر إليها راحت تولّد صوراً أخرى. صورة للمشهد خارج إطار الصورة. قاعة المستشفى. الجثة ناقصة قدماً. أحياء آخرون، لؤي.. كم مرة أخذ اللقطة قبل أن يرضى عنها الشخص الآخر؟ كم من الوقت بقي حاملاً القدم؟ كيف تخلص منها بعد ذلك؟
لؤي.. أكثر ما طبع ذاكرتي عنه منذ التقيته في إحدى المدن التركية هو شعره الأشقر، واحمرار وجنتيه.
هل تركت هذه الصورة لوناً في وجهه؟
سألت لؤي عن حاله من دون أن أخفي اعتراضي على صورته.
أجابني بكلمة واحدة: تعوّدنا.
أيام قليلة ووصلتني صورة أخرى مدموغة بالتوقيع ذاته: عدسة إعلامي فاشل. "محسوبك الإعلامي الفاشل"، قال لي لؤي. مرة أخرى لمحة سريعة أغلقت صورة خلفت وراءها هذه المرة أصواتاً. أيادٍ كثيرة تحيط بطفلة ممدّدة على شيء ما، تصرخ متألمة بسبب ما أصاب ساقها. ما بقي من ساقها.
سألت لؤي مجدداً عن حاله، فقال: "في البداية أصابني مرض نفسي، بعد ذلك اعتقدت أنني تعوّدت، ولكن يبدو أني عدت للتأزم، فاليوم بعد التقاطي هذه الصورة كان عليّ أن أتسطح على الأرض.. المشكلة أن البلد كله هكذا."
أخبرني لؤي بأن لديه أيضاً فيديو للطفلة وآلامها. سألني إن كنت أريد أن أراه. قلت له لا. تحدثنا قليلاً عن الآثار التي تتركها صور من هذا النوع على المصور الذي يجد نفسه يتعامل معها لساعات أحياناً، تظهيراً أو مونتاجاً، وعن جدوى أخذها مع العلم أنها لن تنشر بسبب المعايير المهنية.
الصورة تصبح للمصور، مادة تقنية باردة تختصر حقيقة أشخاصها في لحظة واحدة. الحقيقة الوحيدة بالنسبة له - أي المصور - هي أزمة سجنه هو في هذه اللحظة من حياة أشخاص الصورة. أشخاص يموتون مثل الجثة الناقصة قدماً، أو تبتر ساقهم أو يعالجون ولكنهم في كل الأحوال يتحررون من لحظة الصورة. المصور يُصبح خارج الكادر ما أن يلتقط الصورة. ما أن يسجن فيها أشخاصها.
لا أدري لماذا اعتذر مني لؤي.
بقيت أفكر طويلاً في موضوع الصور. كيف نتعامل معها؟ حسم الموضوع سهل مع الصور المركبة فهي مشكوك بمصداقيتها الى حدود كبرى ما يستدعي سجالاً حتى حول أهميتها كمادة توثيقية.
ولكن ماذا عن المشاهد الحقيقية؟ هل يستطيع المصور أن يتجاهل إنسانية طفلة تنازع آلامها حفاظاً على إنسانيته هو بالمرتبة الأولى، وبمشاهد الصورة في المرتبة الثانية؟ تذكرت ما كتبته صديقة حلبية تعليقاً على صور الأسوشيتد برس التي كنت قد وضعتها على صفحتي الخاصة على فيسبوك بعد أن نالت جائزة بوليتزر للعام وكلها من سوريا. "جيد، وَجَعُنا يفوز بشيء ما على الأقل."
الصورة مجدداً، مادة تقنية تنال الجوائز، هي بحسب المعايير الدولية صورة حقيقية وهي في كثير من الأحيان مجاورة لحقائق أكثر فظائع ودموية.
الأولية لماذا تكون لمهنية الصورة؟ ما المهنية في هذه الحالة؟ ماذا يضع المصور في كادره؟ صورة واسعة لطفلة تتألم مع تفاصيل ساق صارت تشبه الأحشاء المقطعة، أو صورة قريبة من وجهها المتألم الذي يكاد يعطي الصورة صوتاً؟ صراخ كان كما تخيلته، أو أنين، كما وصفه لي لؤي؟
عدم رؤيتنا، نحن الجالسين في منازلنا للفظائع التي تجري، يقلل من حقيقة حصولها. أما رؤيتنا لها فتصيبنا بمزيد من الأمراض التي صرنا من دون شك نعاني منها من دون أن تغير أي شيء، فنحن عاجزون تماماً أمام ما نراه أو ما لا نراه، من حقائق يعجز خيال أفلام الرعب عن منافستها.
كنت لا أزال أفكر بموضوع الصور عندما بدأت محادثة مع صديقة عائدة من مدينة تركية حدودية. أخبرتني عن مأسٍ أخرى عابرة للحدود.
حدثتني الصديقة عن رجل التقته ينام على الطريق مع آخرين بالقرب من مستشفى تستقبل جرحى حلب.
زوجته المصابة والمسجّاة في غرفة العناية المكثفة يستطيع زيارتها عشر دقائق يومياً. معه هاتف سوري يحاول من دون جدوى استخدامه للاتصال بالداخل لمعرفة مصير ابنه الجريح أيضاً. يظن أن الاتصال لا يتم لأن الخطوط في حلب مقطوعة.
صورة جديدة تحتل خيالي.
صورة رجل حدثتني عنه صديقة، يلبس قميصاً تمتزج عليه بقع دماء زوجته بروائح جسده النائم في العراء منذ أسبوع.
المشكلة ليست الصورة، المشكلة في حقائق لا تترك لعقولنا منفذاً بين صور نراها ونهرب من مواجهتها وأخرى نتخيلها فتحاصرنا في كل الاحوال.