المزيد من الانحدار
لا يبدو أن لدينا كوابح لهذا الفرز الطائفي المستمر. أضاع اللبنانيون فرصة تحديث نظامهم السياسي وتطويره قبل أن يعيدوا ربط مصيرهم بمشكلات المنطقة. الذريعة الأساسية المستخدمة في عدم الاتفاق على قانون الانتخاب هي عدم التسليم لفريق سياسي طائفي بأخذ لبنان إلى محوره الإقليمي. لكن أحداً من الأطراف لا يريد الرضوخ لإرادة الناس وحرية خيارها لا في السياسة الخارجية ولا في السياسة الداخلية. هناك مصادرة مسبقة لما يعتبره الزعماء مصالح طوائفهم وأهواءها. هذا المأزق الوطني يلغي فكرة الانتخابات من أساسها، ليس فقط بالتمديد للمجلس النيابي، بل بالقوانين التي تعيد إنتاج القضايا والمشكلات ذاتها.
لدينا أكثر من صيغة ووسيلة لتحقيق عدالة التمثيل وصحته وضمانات لكي تشعر الجماعات بالأمن والأمان. لكن ما تدور حوله النزاعات هو الحصول على شكل من الامتيازات السلطوية الشخصانية التي تتيح للزعماء استثمار مواقعهم هذه. الجماعات بأحزابها تبحث عن ركائز السيطرة لا عن التعايش المحصّن بنظام ثابت للحقوق. لا تعترف بمرجعية الدولة كضامن أساسي بل هي تلجأ إلى ميزات شاذة ومصادر قوة ذاتية لإثبات وجودها.
هذه النزعة لإخضاع الآخر واكتساب عناصر قوة في وجهه لا يمكن لها أن تبني سلماً أهلياً دائماً وحياة وطنية مستقرة. قبل الأزمة السورية ومعها وبعدها لن يعرف لبنان كيف يصير وطناً وبيتاً آمناً وخياراً طوعياً نهائياً لأهله جميعهم ما لم يتشارك اللبنانيون في الحرية والكرامة والحقوق والواجبات، وتكون الدولة هي الضمانة لا السلطات الطائفية بصرف النظر عن الحاجة المشروعة والمعترف بها بوجود الطوائف وحرياتها ومشاركتها الوطنية.
لسنا نطرح على اللبنانيين مشاريع طوباوية أبداً أو أنها ليست من ثقافتهم وتاريخهم وتجربتهم. إن طائفية اليوم ليست أبداً كما كانت في الماضي ولن تكون كذلك في المستقبل. لسنا اليوم في معركة مشاركة الطوائف وشكل تمثيلها بل في حال من التناحر على ما هو أبعد من الشراكة والتمثيل. من المفترض أن اللبنانيين أزالوا الهيمنة الطائفية والامتيازات وأنهم ما عادوا منقسمين حول هويتهم الجامعة كتعبير عن شراكتهم في صناعة الثقافة الوطنية بعناصرها الأساسية وبمكوّناتها المتنوعة المتعددة المتفاعلة. لكن هذا الجنوح إلى الاستئثار من جهة والهيمنة بإعلاء العصبيات الدينية النابذة للتعايش يذهبان بنا أبعد من الماضي إلى تفكيك الاجتماع السياسي الوطني وتقاسمه. فما يقال عن خصوصيات طائفية وهي لغة عامة بأشكال مختلفة أصبحت غلواً وشطحاً لا مرتكزات له في نمط حياة اللبنانيين المشترك وحاجاته وديناميته غير الطائفية. إن المتغيرات اللبنانية منذ قرون أكدت وتؤكد استحالة أن تحجز «الطائفية» طويلاً التحولات الاقتصادية والديمغرافية، وأن الحروب الطائفية هي شكل احتضار أو شكل ولادة عسيرة للتغيير المواكب في البنية السياسية. فإذا لم يقتنع اللبنانيون بالحلول السياسية فهم لن ينجحوا بالحلول النابعة من القوة إلا في إعاقة المسار الموضوعي لحركة مجتمعهم. وبالفعل لا تصمد أي صيغة سياسية لا تأخذ بنظر الاعتبار مكوّنات المجتمع المتنوعة ومطالبها. هذا المشرق العربي المتفجّر يدفع ثمن أنظمة سياسية تربّعت فوق المجتمع واستساغت فكرة إخضاعه بإيديولوجيات مزيفة أو بواجهات ضعيفة الشرعية وبإنكار وجود الآخرين وحضورهم الفعّال خارج السلطة الرسمية.
ولعل ثقافة الإلغاء هذه جذّرت العنف وحوّلته إلى ثقافة سائدة واستخدمته في محاولات السيطرة الشاملة أو في تفتيت المجتمع وتقسيمه وتقنين حركته في أشكال الحروب الأهلية. وفي منطق هذه الحروب يمكن استنقاذ الجماعات بالمعنى الوجودي المادي لكن المؤكد أنها تفقد كل فاعليتها الوطنية ويتقلص دورها الإنساني وتحكم على نفسها بالانعزال وبالتوتر الدائم وبالانطواء على ثقافات عصبوية مغلقة. ليس هذا قدراً وليس هذا اختياراً واعياً لجماعات كانت لها فاعلية كبرى في المدى الوطني ولديها كل المقوّمات الإنسانية للعمل مع الآخر في سبيل تقدمها الاجتماعي. لكنه دون شك مزيج من فساد القيادة السياسية ومن بعض الأوهام التي تزدهر في الأزمات.
*نقلاً عن "السفير" اللبنانية