أنقذوا لبنان، أنقذوا الإنسان فيه

نايلة تويني
نايلة تويني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

استمعنا قبل أيام الى صرخة الهيئات الاقتصادية، وهي ليست في واد آخر كما يحلو للبعض ان يصف المشاركين في اللقاء، بقوله إن هؤلاء لا يشعرون كما الفقراء بالعبء الاقتصادي المعيشي الذي يحاصر الطبقات المحدودة الدخل. والصحيح ان الحلقة الاقتصادية واحدة، وهي تصيب الجميع، وان يكن مخزون الغني يكفيه أكثر من الفقير، ويبعد عنه الحاجة. لكن تراجع الغني، والاقتصادي التاجر والصناعي، ينعكس حتماً على العاملين لديه، وان كانوا غالبا يعتبرون انفسهم مظلومين، وفي داخلهم رغبة بتقاسم الارباح معه. اما الخسارة حين تقع فهي ملك صاحبها وحيدا.

والخسارة في هذه الظروف المحن لم تعد مستبعدة بل هي أقرب مما يُظنّ.

ولنلق نظرة على القطاعات:


السياحة صارت في خبر كان. الاخوة العرب لن يأتوا الينا هذا الصيف، والاوروبيون والاميركيون أيضاً، وتالياً فان القوة المالية المحركة لصيف لبنان ستقتصر على المنتشرين اللبنانيين الذين يقصدون ذويهم. وحركة هؤلاء لا تكفي لإيفاء الخسائر المتراكمة حتى اليوم في المطاعم والمقاهي، وخير دليل وسط المدينة الذي اقفل معظم مطاعمه، وساحة النجمة وشارع المعرض الشاهد الاكيد.


ومع تقلص عدد الوافدين والغاء فنانين اجانب مشاركتهم في مهرجانات الصيف، ومع استمرار الوضع الامني المتردي، سيكون صعباً احياء مهرجانات صيفية، وخصوصا في مدينة الشمس بعلبك حيث تتساقط صواريخ وقذائف ويخطف أناس على الطرق المؤدية اليها، وسيكون الوصول الى مهرجانات صور مثلاً محفوفاً بالمخاطر، وتالياً سيتراجع هذا القطاع وستصيبه خسائر.


اما الزراعة والصناعة فحدث عنهما ولا حرج. فمع إقفال المعابر، او استحالة عبور سوريا الى الاسواق الخارجية، وارتفاع كلفة النقل بحراً، يعاني كلا القطاعين الكساد وارتفاع الكلفة، ويفكر كثيرون في اقفال مصانعهم وبيع اراضيهم الزراعية.


هذا غيض من فيض النكبات على الوطن الصغير. اقتصاده مدمر، وامنه متفلت، وحدوده سائبة، وسماؤه وأرضه منتهكتان مستباحتان.


وأما الانسان اللبناني، وهو بيت القصيد، فقد زاد عذابه وقهره عما كان، اذ انه شكل قوة صمود البلد في ازمنة الازمات وما اكثرها، وحطم المؤامرات، وقاتل وتقاتل، وكانت لديه العزيمة في كل ما قام به أملاً في قيام دولة يبدو انها ستظل مؤجلة. هذا الانسان حل به التعب، بل الارهاق المرضي. هذا الانسان يشعر بالقرف من كل شيء، بل بالاحباط، واليأس، لا يجد امامه بصيص امل للصمود. لم يعد يصدق أن ثمة نية لبناء دولة الحق والمؤسسات، لم يعد يؤمن بقدرة سياسييه على ابتكار حلول لمشاكله. يرى الامور كأنها أفلتت من يديه ومن ايدي المسؤولين في بلاده، كأن اللحاق بسوريا في تدهورها وانهيارها امر حتمي، كما يجزم مسؤولون لتأكيد صوابية خيارهم في المشاركة في حرب سوريا.


والأكيد ان خسارة الانسان اللبناني الذي صنع كل الانتصارات ودفعه الى اليأس سيؤديان الى مزيد من الهجرة، هجرة الكفايات، وسيتركان لبنان فريسة متقاتلين بعد انجراره الى حروب اضافية متوقعة تقضي على الاخضر واليابس هذه المرة. فهل يعي أحد ماذا يحصل في أساسات البلد وبنيته التحتية، في انسانه؟ ثمة من يسعى في زمن السلم الى فعل ما لم يتمكن منه في زمن الحرب. افراغ لبنان من مواطنه الحقيقي. والويل لمن ينجح في هذه المؤامرة لان النتائج ستكون زلزالا مدمرا لن يوفر أحداً.

*نقلا عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط