انتصار إرادة التغيير في إيران

محمد السعيد إدريس
محمد السعيد إدريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

عندما تجرأ مجلس صيانة الدستور في إيران على استبعاد هاشمي رافسنجاني من خوض سباق الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الجمعة الماضي (14يونيو/حزيران الجاري) بحجة أن الرجل، الذي يعد أحد أهم أركان نظام الجمهورية الإيرانية منذ تأسيسه عام ،1979 تقدم في العمر (79 عاماً) ولم يعد في مقدوره تحمل أعباء مسؤوليات الرئاسة، كانت أول ردود الفعل على ذلك أن هذه الانتخابات تقرر تزويرها مبكراً . والتزوير المقصود هنا ليس التزوير الساذج والممجوج الذي تلجأ إليه أغبى النظم الاستبدادية عن طريق استبدال أوراق وصناديق الاقتراع لمصلحة مرشح أو مرشحين بعينهم، ولكن كان التزوير المقصود هو تزوير إرادة الناخبين باستبعاد مرشحين وفرض مرشحين لضمان أن تأتي النتائج على هوى من يقف خلف هذا التزوير .

وقتها توجهت الأنظار مباشرة إلى شخص المرشد الأعلى علي خامنئي الذي تردد أنه لم يعد في مقدوره تحمل رئيس جديد يناوئه السلطة، بدليل أنه فكر في أوج أزمته مع الرئيس محمود أحمدي نجاد حول رئيس جهاز الاستخبارات، في أن يلغي منصب رئيس الجمهورية كلية، وأن يستعيد منصب رئيس الحكومة بعد تجربتين مريرتين مع الرئيس الحالي نجاد والرئيس السابق محمد خاتمي . فالرئيس خاتمي سعى في ولايته الرئاسية الثانية أن ينتصر لاختصاصات رئيس الجمهورية وأن يطالب بتمكين الرئيس من ممارسة دوره المقرر له في الدستور، وكان المعني بهذه الأزمة هو شخص المرشد الأعلى الذي يستحوذ على كل الاختصاصات والمسؤوليات في الدولة على حساب رئيس الجمهورية، لذلك كان التركيز بعد تجربة خاتمي التي دفع ثمنها التيار الإصلاحي بعد ذلك هو المجيء برئيس يخضع تماماً لولاية المرشد، وجاء نجاد على الهوى تماماً، والكل يتذكر ذلك المشهد المثير لحظة تسليم خامنئي خطاب التكليف الرئاسي لنجاد بحضور الرئيس محمد خاتمي عندما انحنى نجاد أمام خامنئي وقبّل يده، واعتقد البعض أن الرئيس الجديد لن يجرؤ على منازعة المرشد في اختصاصاته، لكن نجاد وبعد ولايته الثانية التي انحاز المرشد فيها إلى جانبه في ذروة أصعب أزمة سياسية واجهت البلاد عام ،2009 عاد ليكرر تمرد خاتمي على المرشد الأعلى ويتزعم تياراً سياسياً جديداً ضمن التيار المحافظ لا يطالب فقط بتمكين رئيس الجمهورية من ممارسة اختصاصاته وفق الدستور، ولكن يروج لاقتراب موعد ظهور الإمام المهدي (الغائب) وأعطي هذا التيار اسم “تيار المهدوية” نسبة إلى الإمام المهدي وقد أطلق المحافظون المتشددون الموالون للمرشد الأعلى على هذا التيار اسم “تيار الانحراف” في حين ظلوا يهاجمون التيار الإصلاحي الذي قاد أزمة 2009 وأسموه “تيار الفتنة” .

كل هذه الخلفيات فرضت نفسها عندما أصدر مجلس صيانة الدستور قرار استبعاد رافسنجاني، وقال كثيرون إن حجة كبر السن واهية لأن الإمام الخميني قاد الثورة وعمره 80 عاماً، كما أن المرشد الأعلى علي خامنئي يبلغ الآن من العمر 74 عاماً، وسوف يصل بعد خمس سنوات من الآن إلى عمر رافسنجاني، فهل سيواجه خامنئي مطالب بالتنحي من أنصاره؟

كان السؤال استنكارياً، وكان اليقين يقول إن استبعاد رافسنجاني ما كان يمكن أن يحصل لولا وجود تعليمات صريحة بذلك من المرشد الأعلى .

الواضح أن المرشد كان ولايزال حريصاً على أن يقضي السنوات الثماني القادمة في هدوء وعدم توتر مع مؤسسة الرئاسة، وأن تكون له الكلمة الفصل في كل شيء، لأنه لم يعد يتحمل، وهو في هذه السن، مهاترات ومشاجرات مع الرئيس، لذلك جاء المرشحون الثمانية الذين وافق عليهم مجلس صيانة الدستور كمرشحين، باستثناء محمد رضا عارف (نائب رئيس الجمهورية في عهد محمد خاتمي) بمن فيهم الدكتور حسن روحاني (ممثل المرشد الأعلى في مجلس الأمن القومي) من تحت عباءة المرشد .

رد الفعل على هذا كله كان يمكن أن يكون استسلامياً من أنصار رافسنجاني والتيار الإصلاحي في عمومه خاصة أن أبرز زعماء هذا التيار (مير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي) مازالا تحت الإقامة الجبرية، ومازال الكثير من النشطاء رهن الاعتقال، كما أن كثيراً منهم قرر العزوف عن العمل السياسي اعتقاداً منهم أنه لا أمل في الإصلاح، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً . فقد استطاع الرئيس خاتمي أن يتصدى لتيار الانعزال داخل التيار الإصلاحي وأن يتزعم دعوة الاستمرار والمشاركة لإصلاح النظام، وقد نجح بامتياز في هذه المهمة عندما دفع الكثيرين من الإصلاحيين لخوض غمار المنافسة الانتخابية التشريعية الأخيرة، وأن يحسم أمر دخول رافسنجاني انتخابات الرئاسة، وأن يشجع نائبه محمد رضا عارف هو الآخر لتقديم أوراق ترشحه في إشارة إلى أن الإصلاحيين مازالوا قوة يعتد بها ومازالوا قادرين على المنافسة .

وجاء الدور الأهم لخاتمي عندما دعم صمود بقاء رافسنجاني في الساحة السياسية بعد استبعاد ترشحه وإقصائه، ووقوفهما معاً على رأس التيار الإصلاحي داعمين لكل من الدكتور حسن روحاني ومحمد رضا عارف، ثم إقناع محمد رضا عارف بالانسحاب من سباق الانتخابات في لحظة قاتلة للمرشحين المحافظين الكبار .

أما الدور الأكبر فكان للشعب الإيراني، الذي ابتلع إهانة استبعاد رافسنجاني، وقرر عدم مقاطعة الانتخابات بل قرر المشاركة وبقوة لإنجاح المرشح المفضل وإسقاط مرشحي المرشد الأعلى . فقد جرى تمديد موعد إغلاق لجان الانتخابات ثلاث مرات، واستمر التصويت حتى منتصف الليل ووصلت نسبة المشاركين ما يقرب من 73% وهي نسبة لم تكن متوقعة، لكن غير المتوقع الحقيقي هو فوز حسن روحاني وحصوله على 6 .18 مليون صوت أي نسبة 68 .50% ليفوز رئيساً لإيران من الجولة الأولى في رسالة شديدة الوضوح تقول إن الشعب هو السيد الحقيقي وهو صاحب القرار الأول وليس غيره، وأن الشعب يريد التغيير . يبقى أن يقف الشعب وراء حسن روحاني ليدعم مسيرته في الداخل والخارج، وهي رسالة مهمة لكل من يأملون بعلاقات أفضل مع إيران أن يكونوا هم أيضاً مفاتيح أمل للتغيير وليس نذير خطر على إيران يفرض على الرجل الانكماش والاحتماء بالمتشددين .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.