قبل أن نحب فنانا هل نفتش أولا عن جنسيته وديانته وموقف دولته من قضايانا المصيرية؟ أم أن الحب لا يلقي بالا بأي شيء آخر سوى الحب، ومثلما تحدى روميو وجولييت، وقيس وليلى، وعنتر وعبلة، وجميل وبثينة، المستحيل ولم يتنازلوا عن حبهم، وهكذا أحب أغلب المشاهدين العرب نور وفاطمة ومهند وغيرهم ولا يزالون رغم تأرجح المواقف السياسية لتركيا.

تعجبت كثيرا من البيان الذي أصدرته أخيرا نقابة السينمائيين المصريين ومن المنتظر أن تنضم إليه باقي النقابات الفنية، حيث يطالب البيان بمقاطعة الدراما التركية نظرا للموقف الرسمي لتركيا المعادي للثورة المصرية وتأييده لمرسي رئيسا شرعيا.

هل تملك النقابة - أي نقابة - ترمومترا لتوجيه مشاعر الناس، إنه قرار يخاصم المنطق لأن المشاهد العربي عندما أصبح يتعاطى بكل هذا النهم المسلسل التركي لم يدر المؤشر إليه لأنه معجب بسياسة الدولة تجاه قضايانا العربية ولا هو دليل مؤازرة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في انتقاده لإسرائيل، لقد فسروا على سبيل المزاح أن هيفاء وهبي عندما كانت تغني قبل خمس سنوات «رجب حوش صاحبك عني» إنها تقصد رجب أردوغان، بينما الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب أكد أن هيفاء تقصده على طريقة المثل اللبناني الشهير «الكلام إلك يا جارة»!

ما فات النقابات الفنية في مصر أن القرارات السياسية من الممكن أن تتبدل لأن المصالح تتصالح، وقد تغير تركيا خطابها السياسي في أي لحظة، كما تابعنا من قبل تأرجح الموقف الأميركي تجاه 30 يونيو وأكثر من دولة أوروبية قالت في البداية، إن ما حدث انقلابا عسكريا وبعد ذلك وصفته بأنه ثورة شعبية أيدها الجيش.

الحقيقة أن الموقف المعادي للدراما التركية ونجاحها الطاغي له أكثر من وجه بعد أن صار يشكل عقدة لدى أغلب شركات الإنتاج وناصبها عدد من الفنانين العرب - أقصد المسلسلات التركية - العداء لأنها تقاسمهم أرزاقهم، وبالفعل من أهم أسباب تراجع أجور الفنيين والفنانين في الأعوام الأخيرة هو توفر البديل التركي الرخيص نسبيا، ثمن المسلسل التركي «المدبلج» باللهجة السورية لا يتجاوز10 في المائة من ثمن المسلسل العربي، ولهذا صارت المحطات الفضائية تفضله على الطريقة التركية.

قبل شهر واحد فقط كان اتحاد كتاب الدراما العرب ومقره القاهرة قد اتخذ قرارا مماثلا بمناشدة شركات التوزيع بالتوقف عن استيراد الأعمال التركية، وقصر المجال فقط على الدراما العربية بحجة الحفاظ على الهوية، ولم يدركوا أن العصمة بيد المشاهد، عندما نكتشف أن الدراما التركية امتد نجاحها في الفضائيات على مدى تجاوز سبع سنوات فإن هذا يعني شيئا واحدا هو أن هناك حالة من التماهي مع تلك المسلسلات وأن الأمر لم يعد ظاهرة مؤقتة ولكنه قاعدة تحقق نجاحا مضمونا.

من الذي يملك القرار؟ لإيقاف تدفق المسلسل التركي عبر الفضائيات ليس شركات الإنتاج ولا النقابات الفنية ولكنها المشاعر، لقد حدث بعد هزيمة 67 أن أصدرت وزارة الثقافة المصرية قررا بمقاطعة الفيلم الأميركي ومنعه من دور العرض، نظرا لأن أميركا هي الداعم الأكبر لإسرائيل ورغم أن هذا القرار صدر قبل زمن الفيديو والفضائيات أي أن الدولة كانت تملك كل منافذ العرض والمقاطعة ممكنة، إلا أنه لم يستمر سوى بضعة أسابيع فقط لأن الناس تفضل الفيلم والنجم الأميركي بقدر ما ترفض السياسة الأميركية.

انتهى زمن المقاطعة الفنية والثقافية على خلفية المواقف السياسية وليس أمامنا لإيقاف حالة الأتركة سوى أن نطلب من هيفاء وهبي أن تغني لرجب طيب أردوغان «رجب حوش – مسلسلك - عني»!!

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.