يوم نُشرت تلك الفيديوهات المروعة للأشلاء التي قذفتها التفجيرات في كنائس مصر، أو لوجوه أطفال خان شيخون المزرقة أو صور الأطفال المشلعي الأطراف في الراشدين قرب حلب، لم يتردد موقع أو صحيفة في التسابق على نشرها، من دون أن يرف لهم جفن. بعض الضحايا كانوا عراة، معروفة وجوههم، لهم أمهات وآباء وأسماء، كلها سقطت بين حفلة السعار على نشر السبق الصحفي، وتسليع المأساة. تسليع لا يختلف عن المتاجرة بالدم والوجع!

لا بل البعض ذهب أبعد من ذلك، في نكء الجرح، وصب الزيت الحارق، والإمعان في نبش الجثث، وتمحيصها.

لا ليست مهنة عظيمة، تلك المهنة التي تسلع الألم وجسد الإنسان مقابل رفع القراءات.

وحدها صورة ذاك الشاب المصور السوري الذي رمى كاميرته، وهب رافعاً جسد طفل سوري أصيب في تفجير الراشدين، كان عظيما. له انحنت "بعض" الرؤوس لأنه رمى كاميرته أمام هول لحظة تسرق فيها حياة طفل، وتزهق روح.

لا أهوى لعبة التفضيل، لأنها ساذجة في تنميطها للأمور والمقاربات. ولكن...
يد طبيب ميداني في أي حرب ولأي جهة انتمى تنقذ جريحاً، قد يكون والد أحد ما أو أما أو طفلاً أو.... أو.. أسمى من حفنة أسطر بحبر أسود.

قصيدة يخلدها التاريخ وتشق في رأسك ألف مسار وتهدم جدارا، راسمة أفقاً لم تدركه يوماً، أعظم أيضاً.

مقطوعة موسيقية تهز كيانك وتحطم ألف سجن وسجن فرضه عليك مجتمعك أو تربيتك أو حتى أفكارك البائسة، كذلك!

ذلك الفلاح أو الخباز، أو وجه أم صباحاً تنهض رغم تعبها باسمة لطفلها.
ألا تضج حياتنا بالتفاصيل السامية؟!

وبعد، لا ليست أعظم مهنة، تلك التي ندرت فيها الموضوعية، تلك التي قلت فيها المؤسسات التي لا تعمل وفق أجندة سياسية معينة. كم من صحافي يستطيع أن ينشر ما يخالف رأي رئيس التحرير أو الخط السياسي لصحيفته؟!

أذكر قبل سنوات وكنت ما زلت بعد في لبنان، جاهر صحافي معروف إلى حد ما ضمن الأوساط الإعلامية اللبنانية وعلى شاشات التلفزة، أنه يقبض رشاوى، هو لم يسمها طبعاً رشاوى بل هدايا. فعلاً هي هدايا من سياسيين ورجال مخابرات ومتنفذين، هدايا مسمومة، مدسوسة فيها حقيقة تجافي الحقيقة، وتمالق الدافع.

لعل المؤلف المسرحي والروائي أوسكار وايلد أصاب حين قال قبل أكثر من 100 عام إن كنت لا تقرأ الصحف فأنت جاهل وإن كنت تقرأها فأنت مضلل!

أنت مضلل عزيزي القارئ، لأنه ما من صحفي حتى ذاك الذي ينظّر بالموضوعية منتقداً السائد، يكتب إلا ما يراه هو حقيقة، ولأنها وجهة نظر، أو معاينة من زاوية واحدة، فهي حمالة أوجه، ما من حقيقة مطلقة حتى في العقائد والحروب الأعتى.

أنت مضلل اليوم وأمس، وغداً، إن اعتمدت في إرساء قناعاتك على الصحف والإعلام.

ولكن (ثمة دوماً ولكن...)، ما يدفعنا للدفاع عن تلك المهنة التي كانت سلطة ترعب أعظم الرؤوس، هي بعض التجارب النادرة، التي هزت عروشاً وجيوشا، أو نقلت صرخات البائسين والمظلومين.

ما يدفعنا حتى في انحدارها هذا، لرويتها تلك الذكية والبهية التي ترفع صوت الضعفاء، هو شغفنا فقط، ذاك الشغف الطفولي بحلم أو سراب، أملنا يوماً بتحقيقه!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.