لم تبك أمة مجدها الضائع مثلما بكته أمة العرب، فقد ذرفوا الدموع على هيئة حروف وكلمات على صفحات الكتب منذ خروجهم من النفق المظلم بعد الحرب العالمية الأولى، والتي بدأت بمناحة عالية الصوت، وانتهت بحروب دامية حول الماضي، وكأنهم ينتقمون من دوامة الخرافة التي فرضتها بعض التفسيرات للدين الحنيف في قرون الجدل الأول..

في القرون الأولى لم يكن الجدل الدائر حول فصل الدين عن العلم والعقل، ولكن عبر تقديم قراءة في منتهى العبقرية للدين الحنيف، فقد أجاد مثقفو القرن الأول والثاني والثالث في عقلنة الوعي بالنص روحاً وكياناً، فقد توصلوا مبكراً أن العالم يتطور وفقا للقوانين الطبيعية التي أوجدها الخالق، والتي لا تتبدل أو تتغير كما عبر عنها النص، لقد آمن هذا التيار بأسبقية العقل على الإيمان، وقال بحرية الاختيار من أجل تصحيح جدلية الثواب والعقاب.

من أجل فهم أدق للمشكل الأول، اعتمد المتكلمون الأوائل منهجاً ينطلق من الله عز وجل ليفهم العالم ويفسره ويبحث في مكوناته، وهو ما يختلف تماماً مع منهج الفلاسفة، والذي انطلق من العالم ليفهم الله ويعرفه، وهي رؤية في غاية الأهمية فقد وضعوا العقل والعلم ضمن منهج النظر في الدين، ومن خلاله يكون الإيمان بالله.

لم تكن محنة خلق القرآن سياسية خالصة كما حاول بعض المثقفين تقديمها مؤخراً، فقد كانت جزءا لا يتجزأ من ضمن شروط المنهج العقلاني للدين، وقد كانت شرطاً لمبدأ حرية الاختيار الأساس في الطرح العقلاني المبكر للإسلام، وكانت هزيمتها في عصر المتوكل بداية الانهيار لرؤية كان مقدورها أن تحل مختلف الإشكاليات الماضية والمعاصرة للعقل المسلم..

لو انتصروا لما تم استدعاء العلمانية في بعض الدول الإسلامية، فقد كانت قراءة خارج الزمن والمكان للدين الإسلامي، وفي وقت مبكر بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم-،و لو انتصرت لما سقطت الحضارة العربية الإسلامية، ولربما وصلنا إلى القمر قبل الغرب بعدة قرون..

لو انتصروا لما احتجنا لأفكار أوغست كانت ونيتشة وهيغل لإخراج العقل المسلم من سجن الخرافة لينطلق في مجال الإبداع والابتكار، ولما طالب البعض بإدخال منهج الفلسفة في مجالات العلم في المدارس وتهيئة الطالب ليكون باحثاً علمياً في وقت مبكر..

لو انتصروا لما كفّر رجال الدين العلماء الحقيقيين في تاريخ المسلمين، ولما اعتبروهم الزنادقة التي يجب أن تُدق أعناقهم وتحرق كتبهم في تلك العصور، ولما خرجنا من الأندلس أذلاء بعد ثمانية قرون فيها..

تتداعى مثل هذه الأفكار كلما أسمع دعوات استدعاء العلمانية ليكون حاضنة للعقل في الشرق القديم، ولم يكن إستدعاءها من باب التحريض أو الصراع حول السلطة، ولكن لحل إشكاليات سيطرة رجال الدين على العقل السياسي والاقتصادي والعلمي في هذا العصر.

أستخدم في بعض الأحيان مصطلح رجل الدين لوصف الذين يدّعون امتلاك مختلف الأجوبة لكثير من الأسئلة في العقل البشري، وذلك لأن ما يقدمونه من تفسيرات لا يتفق مع ما توصل إليه العقل في هذا العصر، ولأنهم أيضاً يمثلون تلك الحقبة السوداوية التي خسر فيها أصحاب المنهج العقلي معركتهم أمام التيار الذي يروج للخرافات والأساطير..

لقد خسرنا تاريخ المجد بسبب انتصار العقل العامي على العقل النخبوي، لتنهار حضارة العقل في الإسلام، ولتبدأ حضارة التكايا والخرافة والأساطير، ولتتحول جلسات إخراج الجن إلى باب علمي كبير في العقل المسلم، وتصبج جولات النفث في الوجوه بمثابة احتفالية رمزية لذكرى هزيمة منهج العلم في تاريخ المسلمين.

أخيراً عاد الزمن إلى نقطة البداية ومرة أخرى إلى الجدل حول أي المناهج أصلح لتقويم العقل المسلم، وهل الحل في استدعاء العلمانية لحل الإشكالية، أم البحث عن مدارس عصرية للتجديد الديني، واستعادة مكانة العلم ليكون القلب النابض في رحلة الإيمان بالله عز وجل..

حسب ما يبدو الأمر، ليس هناك جدوى مما يجري من جدل عال في الحوارات الجانبية، فقد حُسم الأمر، وأصبحت أطروحات الخرافة خارج الزمن، وستقول الأجيال القادمة كلمتها بعد ما أدركوا جيداً كم خسر العرب والمسلمون بسبب انتكاسة العقل والعلم الطبيعي في القرن الرابع الهجري..
 

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.