لا تزال أصداء صدور الجزء الأول من مذكرات الدبلوماسي المصري عمرو موسى تثير الكثير من الجدل والنقاش؛ المذكرات التي تضمّنت رواية ما وراء كواليس نصف قرنٍ من العمل السياسي لم تسلم من مبالغات في الوصف، وتبرئة لساحة الأنا، غير أنها بقيت محتفظة بالنفَس السردي الممتع، وبخاصة أن تبويب مذكراته التي عنونها بـ«كتابيه» كان متسلسلاً، وذلك وفق منهجٍ أشار إليه الراوي في مقدمة الكتاب. وقد تفاوت مستوى التشويق في الكتاب وبلغ مداه في حديثه عن السادات، ولقائه بعبد الناصر، وحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وأحداث حرب الخليج، وعملية السلام، وقد عرج على مواقفه في أحداث مؤتمر مدريد عام 1991، وهنا يورد قصة لقائه مع جيمس بيكر في منتصف الكتاب.

يورد عمرو موسى موقفه الخطابي حين التقى بيكر وربط بين أي عملية سلام بإيقاف الاستيطان الإسرائيلي، وتحدّث عن مركزية مصر في أي عملية سلام تجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين. موقف كان قد أشار إليه الأمير بندر بن سلطان في سيرة «الأمير» التي كتبها عنه ويليام سيمبسون، وذلك في الفصل المخصص لعملية السلام بالشرق الأوسط، باختصار يروي الأمير بندر أن بيكر سأله: هل سيحاول عمرو موسى إلقاء محاضرة علينا بعد أن التقيت برئيسه؟! ردّ عليه الأمير بندر بتوقع ذلك، وحين فعل ذلك عمرو موسى بالفعل؛ حيث تشعب حديثه وأدلى بموقفه الذي يصفه الأمير بندر بـ«القومي»، ضرب بيكر بملفّ جلدي على الطاولة حتى عاد عمرو موسى بموقف رئيسه» (ص: 291).

وبعيداً عن البطولات اللفظية، وبخاصة تلك المرتبطة بقضية فلسطين، عرج على موضوعٍ مهم بهذه المرحلة، وهي طبيعة العلاقة بين مصر وقطر، وبين عمرو موسى وأمير قطر السابق ووزير خارجيته، حمد بن خليفة وحمد بن جاسم، تحدث عن توتر العلاقات بالطبع بعد تسلم حمد بن خليفة الحكم بسنة واحدة، ومن ثم يقول: «قام تعاون كبير بيني وبين حمد بن جاسم؛ والواقع أنه يجمعنا ودّ متبادل، فأنا أقدّره شخصياً، وأقدّر كفاءته ونشاطه وانفتاحه، وأداعبه دائماً بقولي: كفاك جمعاً للثروة، فيقول لي: أريد أن أكون أغنى رجل بالعالم العربي». يضيف: «علاقة الرئيس مبارك وحمد بن خليفة كانت طيبة للغاية، رغم كثرة المشكلات التي كانت تظهر على فترات. ومن ضمن القفشات التي كان الأمير يرددها على لسان مبارك ويضحك جداً عليها، حكاية طائرة حمد بن جاسم التي أمر أمير قطر بمنحها للرئيس اليمني علي عبد الله صالح، فبعد أن شاهد صالح هذه الطائرة خلال توديعه رسمياً في مطار الدوحة أبدى إعجابه بها، فمنحها له الأمير، وكان حمد بن جاسم واقفاً إلى جانبها لا يتوقع ذلك، وحزن وظل يشير إلى هذا المقلب آسفاً، بينما ظلّ الأمير يشير إلى هذا الحدث ضاحكاً، وكان كلما التقى مبارك مع حمد بن جاسم قال له: كيف تترك طائرتك لعلي عبد الله صالح؟ فيرد: لقد كانت جامبو يا سيادة الرئيس، فيرد عليه مبارك بالطريقة المصرية: جامبو على جامبو».

تلك المواقف توضح مستوى «الخفّة» في السياسة القطرية، وأحسب تلك القصص توضح مدى انعدام الحكمة لدى جل السياسيين القطريين، رغم «الكلام الإيجابي» لعمرو موسى عن قطر، على سبيل المثال حين تحدّث عن غضب الملك عبد الله من تهجّم قناة «الجزيرة» على مصر، يقول: «كانت السياسة القطرية تحاول إرضاءه بقدر إمكانها»، وهذا غير صحيح إطلاقاً، ورغم أن مذكرات موسى طبعت الآن، أي في عزّ الأزمة بين دول المقاطعة وبين قطر، فإنه لم يلتفت إلى التفريط اللفظي والموقف الهادئ من دولة حاولت انتهاك سيادة مصر، وليس صحيحاً أن قطر بذلت «إمكاناتها» من أجل إرضاء جيرانها وعلى رأسها السعودية، بل هناك أذى مستمر مدعوم من النظام القطري نفسه، الذي يستهدف بالصوت والصورة أمن دول المنطقة واستقرارها.

وحين أراد موسى وصف أمير قطر السابق قال: «أود أن أضيف هنا نبذة عن الأمير الشيخ حمد، فهو ناصري التوجه، وهابي المذهب، ويمارس الاثنين معاً، أو لا يمارسهما»، وهنا يجب أن نتداخل مع عمرو موسى مطالبين بالأسباب التي جعلته يخلع هذا الوصف على الأمير، لم يورد إلا سبباً واحداً، وهو أن الأمير قال له ذلك، ثم إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا تتضمن مذهباً، فهي دعوة إصلاحية ليس لديها مذهب فقهي، ومرجعها بالفقه لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إذن لا يوجد شيء اسمه «المذهب الوهابي»، بل ثمة دعوة تصحيحية ضمن المجال العقدي، ولم تؤسس لمذهب فقهي خاص.

مذكرات موسى طُرح الجزء الأول منها فقط بأكثر من ستمائة صفحة، ورغم الاختلاف الذي أوردته غير أن هذا لا ينفي التاريخ السياسي والدبلوماسي للوزير المصري المخضرم، غير أن أي مذكرات تطرح لا بد أن تخلق فرصة للنقاش والسجال حول المعلومات، والأوصاف والأشخاص والقصص التي تضمنتها الرواية.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.