لم تعد الديمقراطية هي الصيغة الوحيدة المحققة لأكبر احتمالٍ بالعدالة؛ بل شهد المفهوم تحديات كبرى، معظمها نشأ من التصعيد التحليلي لتاريخ العدالة وإمكانات تشكيلها لحدوثٍ من دون الرضوخ لصيغة الديمقراطية بوصفها الأداة الناظمة لكل إيقاعات العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وأخطر ما يمكن طرحه تحويل الطرح الديمقراطي على أنه ضمن المعيار الأخلاقي، وبالتالي لا قيمة لأي نظام سياسي من دون طهر الديمقراطية، وهذا تنقضه التجربة التاريخية للمفهوم حتى في الدول التي خبرته ودرسته، بل قد يجر كوارث سياسية واجتماعية كبرى، إذاً الهدف من الديمقراطية تحقيق العدالة، وأينما وكيفما تحققت العدالة المنصفة فإن الدولة تقترب من تلبية حقوق مجموع الإرادات المتصارعة بالمجتمع.
تنصّ رؤية 2030 على مفهومين أساسيين هما من أهداف رؤية الدولة التي ستشكل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ أولهما: الحنفية السمحة، بما يجعل الدولة ضمن الإطار السمح للمفهوم الديني، ومن هنا يمكن اعتبار هذا المفهوم موازياً ونظيراً لـ«التسامح» الذي طرح بالفلسفات من قبل لنزع فتيل الفتنة بين المسيحيين أنفسهم بتصارعهم، وبين المسيحيين واليهود، كما في رسائل التسامح عند فولتير وجون لوك وآخرين، وصانع الرؤية الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر إعلان «نيوم» اعتبر تحقيق التسامح والتفاهم والتعايش مع الحضارات من ضمن الأهداف الأساسية لئلا تضيع علينا العقود بملاحقة المتطرفين، ونرهق الميزانيات للحرب على الإرهاب. المفهوم الآخر الذي ذُكر في الرؤية: القيم السامية، وهذا يمكننا من الاطمئنان على النهج الذي ستتخذه الدولة باعتبارها قادرة على تحقيق القيم السامية وفق نظامها السياسي، ومؤسساتها، وقوانينها، وأثمر ذلك تحقيق قيمتين في أسبوعٍ واحدٍ تقريباً؛ الأولى: صدور نظام مكافحة الإرهاب وتمويله بمواد صارمة حاسمة لتجعل النظام من أمتن القوانين الملاحقة للإرهاب بالمنطقة، والثانية: البدء بترسيخ أسس العدالة عبر الأمر الملكي بتكليف ولي العهد لملاحقة المتورطين في قضايا فساد، وبعد صدور الأمر الملكي بساعات أعلنت وتسربت أسماء أمراء ووزراء ورجال أعمال وجهت ضدهم تهم معينة يتم على أثرها التحقيق معهم.
إن العدالة يمكن أن تكون ثمرة أنظمة سياسية تتخذ مناهج إدارية متعددة، وليس شرطاً أن تحيل الديمقراطية للعدالة، بل كل التطبيقات السياسية العربية للديمقراطية أسست لحراسة الفساد، والمحسوبيات، وشلت وعطلت حيوية وحركة المجتمعات والدول.
جون راولز الحافر بمفهوم العدالة مشروع عمرٍ تحدّث في أطروحته «العدالة كإنصاف» عن علاقات هذا المفهوم بتاريخ الإرث الديمقراطي، فهو يوضح أن «الفكر الديمقراطي أظهر ومنذ قرنين تقريباً، أنه لا يوجد أي إجماعٍ حول الكيفية التي ينبغي أن تنتظم حسبها المؤسسات الأساسية داخل نظامٍ ديمقراطي إذا كانت مطالبة بتحديد وتأمين الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وبالاستجابة لمقتضيات المساواة الديمقراطية. هناك اختلاف عميق حول الكيفية التي يمكننا أن نحقق من خلالها قيم الحرية والمساواة في إطار البنية الأساسية للمجتمع على أحسن وجه، لنقل لأجل تبسيط ذلك بأن هذا الصراع الداخلي بالنسبة لتراث الفكر الديمقراطي هو نفسه الذي أثير بين تقليد لوك الذي يولي أهمية أكبر لما يدعوه بنيامين كونستطان بحرية المحدثين، أي حرية التفكير والاعتقاد، وبين بعض الحقوق الأساسية المتعلقة بالشخص والملكية، وبين تقليد روسو الذي يركز على حرية القدامى، أقصد تساوي الحريات السياسية وقيم الحياة العمومية، من المؤكد أن هذا التقابل يفتقد للدقة والصحة التاريخية، غير أن بإمكانه أن يتخذ وسيلة لتثبيت الأفكار».
معيار راولز باختصار لتحقيق العدالة المنصفة، أن ينسجم الشخص ضمن حقه مع النظام العام مع حريته وتساويه مع الجميع والمتساوق مع نفس النظام بالنسبة للكل، وكذلك أن يتم إخضاع التفاوتات الاجتماعية لترتبط بوظائف ومواقع مفتوحة بوجه الجميع حسب الشروط المنصفة لتكافؤ الفرص، وكذلك وهنا مربط الفرس: «يجب أن تكون التفاوتات للصالح الأفضل للأعضاء الأكثر حرماناً في المجتمع». راولز يتفرّد بهذا المعيار الناصع الذي يتجاوز الأداتية الديمقراطية، ليضع معاني المساواة وترتيب التفاوتات مداخل تحقيق العدالة، لأن الديمقراطية بوجهيها الفكري والتاريخي، ليست ضامنة للعدالة، ولكن يمكن تحقيق العدالة ضمن نظام سياسي لا يتشدق بالديمقراطية، وهناك نموذج عربي حين نتحدث عن حقبة حكم الحبيب بورقيبة بتونس، وهذا مثال واضح وصريح.
وأخيراً؛ فإن التبجيل الأعمى لآلية «الديمقراطية» ليس له قيمة ضمن تطور المفاهيم السياسية، وضمن المزيج الذي تخلقه كل دولة لنفسها بما يتفق مع قيمها ومجتمعها، لكن مع عدم الاختلاف حول جوهرية «العدالة» بوصفها جوهر العمل السياسي، ولهذا تفصيل آخر.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.