يستدعي الكلام عن تانيا صالح، حول تجربة غنائية عربية، صيغت أو وجدت تبعاً إلى اختلاف المرجعية الثقافية والسوق الاقتصادي، ويمكن استخدام وصف "الغناء البديل" لكونه يلائم أطروحات غنائية، خالفت شروط الغناء العربي بأشكاله وألوانه الدارجة عبر القنوات والسوق التقليدية.

يرجح حضور هذا الوصف مع تجارب غنائية مصرية انطلقت منذ مرحلة السبعينيات، ممثلة في كتاب "الأغنية البديلة" 1988 لعبدالله كمال وإبراهيم عيسى، حيث يشير إلى تجارب غنائية هامشية تكرست عن طريق شريط الكاسيت لا المرابع الليلية، ثم سيطرت على المزاج العام لاحقاً. غير أنه من المفترض الاتجاه صوب تعريف، يجعل من هذا الوصف مؤصلاً في حالة اختلاف أو افتراق على مستوى الموضوعات الشعرية وصياغة الألحان واستخدام الآلات، وتوظيف الحنجرة البشرية، وتمثل هذا مع تجارب كل من عابد عازريه منذ مجموعة "توابل" 1990، وفاديا الحاج، ليس تجربتها مع البيت الرحباني 1980-1981، وإنما عملها مع فرقة سربند بمجموعة "تراتيل -3" 1997، وتبعتهما فرقة كلنا سوا بمجموعة "سفينة نوح" 1998.

وتكاثرت التجارب ما بين دمشق وبيروت، مطلع الألفية الثالثة، بريما خشيش وتانيا صالح ولينا شامميان، وتتابعت تجارب لاحقة بين فلسطين ومصر وتونس، ما بعد عامي 2010 -2011 غير أنها أثقلتها المرجعية الأوروبية والأفروأميركية، في نماذج فرقة كايروكي ورامي عصام ومشروع ليلى وأدونيس بينما أفلتت من ذلك كل من مريم صالح ودينا الوديدي.

قبضت صالح على مرجعيتها اللبنانية - الرحبانية -فرع زياد- على تجربة انشقاقية إلى الروك لا الجاز، ويبدو أن الغناء الانتقادي، على المستوى الاجتماعي والسياسي، اتخذ صورة جديدة، توسع من مجالها اليساري، كما يدرج في الأغنية السياسية اللبنانية، في تعميق الحس الاجتماعي دون أدلجة، في مجموعتها الأولى "تانيا صالح 2002" ثم الثانية "وحدة 2011"، وفي مقابل ذلك حاول مروان خوري بالدور ذاته في تجديد الدماء لا الشكل.

وقد تبدّت تلك المرجعيات الموسيقية الجاهزة بعد تجربة موازية على ارتباطها بفيلم "وهلأ لوين؟" 2011 سجلت في نسختها الأولى بصوت رشا رزق، فإنها أعادت تسجيلها حياً في مجموعة "تانيا صالح - حفلة 2012"، ولم تكن الأغاني تباشر موضوعاتها وإنما اعتمدت على فكرة ومحاور الفيلم الدافعة بها نحو تألق مضاعف.

وبدا في تجربتها اللاحقة محاولة للخروج من تلك المرجعيات الجاهزة، نحو صياغة بعيدة عن التكرار والتشابه، على أن العناصر ثابتة، وإنما طريقة التعامل معها بإعادة توليفها على المستوى الموضوعي والصوتي، وهذا ما بدا في "شوية صور 2014"، وفي مجموعتها الأخيرة أيضاً "تقاطع 2017".

نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.