في عام 1979 تلقت القيادة الأميركية للدفاع الجوي تحذيراً من أن السماء تمطر بالصواريخ النووية. لكن لم يكن ثمة جواب فوري بالتصدي للهجوم، والسبب أن الكمبيوترات التي تعمل على تشغيل «السيلو» (المخابئ النووية) كانت لحسن الحظ من طراز (IBM) العتيقة. ثم تكرر الهجوم الكاذب مجدداً عام 1980 وتبين عدم صحته.

وتذكِّرنا الحادثتان بقصة الراعي الكذاب، ففي القصص الشعبية أراد الراعي تخويف أهل القرية فصرخ أن ذئباً يفترس الغنم، فهرع أهل القرية للنجدة، ليتبينوا كذب الراعي مع قهقهاته المرتفعة على سذاجة أهل القرية، لكن حين جاء الذئب فعلاً، لم تجدِ صرخاته شيئاً، رغم ارتفاعها وتكرارها، وأحيط به فخسر الغنم والسمعة.

أما القصة الأخرى المضحكة فكانت حين أطلق أوباما في عام 2009 شعاره «عالم خالٍ من الأسلحة النووية»، والتي تم تصديقها عام 2010 مع روسيا، لكن ما كان يجري في الخفاء أمر مختلف، إذ تم الإيعاز بتجديد الترسانة النووية وجميع مرافقها! بالتأكيد كان أوباما يفكر بقصة الراعي الكذاب، فالتحذير الكاذب لن يكون كاذباً في كل مرة.

وفيما اجتمعت 130 دولة في الأمم المتحدة لدراسة الورطة النووية التي يعيشها الجنس البشري، خصصت أميركا 1200 مليار دولار (1.2 مليار) لتحديث ترسانتها النووية حتى عام 2050! وحالياً تملك روسيا 7000 رأس نووي منها 1740 رأساً جاهزة للإطلاق، أما أميركا فيصل مخزونها 6800 رأس نووي الجاهز منها لـ«يوم القيامة النووي» 1950 رأساً.. ما يعني بقدح الزناد ستنهي الحضارة البشرية في ساعات معدودات، ويعود التاريخ بالناس إلى العصر الحجري إن بقيت حجارة!

وأعلن بوتين في ديسمبر 2016 عن عقيدة قتالية جديدة، خلاصتها أن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي حال تهديدها، بل ستعمد إلى الضرب بالعصا النووية.

وقد حركت روسيا صواريخ الإسكندر للتدريب في كالينجراد، والتي بقدرتها الوصول إلى غرب بولندا، وفي حال زحف قواتها على دول البلطيق الثلاث فلن يكون ثمة من يوقف زحفها خلال ستين ساعة. وكما يقول الخبير «آدم ماونت»، من «مركز التنمية الأميركية» في واشنطن، فإن كل السيناريوهات المتصورة لإنقاذ دول البلطيق الصغيرة الضعيفة، ليست ذات معنى أمام الاجتياح الروسي.

بوتين أفعاله أكثر من أقواله، كما تثبت تجربته طوال الأعوام السابقة من غروزني في الشيشان إلى حلب وحوران في سوريا، وقد حرك في الآونة الأخيرة ثلاث غواصات من نوع «بوراي» مزودة بصواريخ عابرة للقارات، ستتبعها خمس أخريات. وهناك مركز توبوليف لإنتاج طيارات لا ترصدها الرادارات، وهناك رؤوس نووية من نوع «سارمات تحمل 24 رأساً نووياً تقفز فوق الرؤوس بسرعة تزيد على سرعة الصوت أضعافاً مضاعفة، فلا يصيدها نظام دفاعي.

يقول «أيفو دالدير»، مدير مركز تفكير مستقل لمجلس شيكاغو في القضايا العالمية وسفير أميركا السابق في الأمم المتحدة: الروس يحركون قاذفات القنابل النووية حتى بحر الشمال، والغواصات تغادر ميناء مورمانسك كما كان الحال أيام الحرب الباردة، وصواريخ بيرشنج في وجه «أس أس 20».. وهو ما يؤجج فكرة العقيدة القتالية عند الروس.

وإذا صحت الأخبار التي رشحت في فبراير 2017 حول تحريك روسيا صواريخ «أس أس سي ثمانية»، وهي صواريخ متوسطة المدى، فستكون روسيا قد خالفت اتفاقية «آي إن أف» التي حرمت استخدام الصواريخ متوسطة المدة وأنهت الحرب الباردة. وبذلك نكون قد دخلنا عصراً نووياً جديداً اختل فيه قانون الردع المتبادل.

* نقلا عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.