في كتابه الذي كان الأخير بين الكتب التاريخية التي نشرها خلال حياته، «هوية فرنسا» (والذي قام المترجم المصري بشير السباعي بتحقيق ترجمة مميزة لأجزائه الثلاثة إلى العربية ضمن إطار نشاطات المركز القومي للترجمة)، يتحدث المؤرخ الفرنسي الراحل فرنان بروديل عن عدد من الكتّاب المؤرخين الذين سبقوه إلى تدوين التاريخ الفرنسي ككل أو الكتابة حول مراحل تاريخية معينة من تاريخ هذه الأمة. ولئن كان بروديل، وعلى طريقة إبن خلدون، لا يوفّر بانتقاداته وملاحظاته، الصائبة في معظم الأحيان، أياً من المؤرخين السابقين عليه، فإنه يذكر بالخير، على الأقل، إنجازات اثنين منهم هما ميشليه في كتابه الشهير والضخم عن التاريخ الفرنسي، وهيبوليت تين في كتابه الذي لا يقل ضخامة، عن «جذور فرنسا المعاصرة». والحقيقة أن ثناء بروديل على هذين الكتابين بصورة خاصة لم يشأه أن يكون حكم قيمة أو بادرة إعجاب، بل تعبيراً عن كون الكتابين، وكل على طريقته، يتفقان معه على فكرة أساسية عزيزة عليه تتعلق بهوية فرنسا، تلك الهوية التي يبدو من الواضح أنها هي ما يهمه أكثر مما يهمه التاريخ ذاته بأحداثه ومجرياته. ومهما يكن من أمر هنا، إذا كان كثر من المؤرخين والمهتمين بشؤون التاريخ في شكل عام يوافقون بروديل على موقفه من السفر الضخم الذي وضعه ميشليه قبل ما يزيد عن قرن ونيّف، فإن كثراً في الوقت نفسه لا يشاطرونه موقفه الإيجابي من كتاب تين.

 

> بالنسبة إلى هؤلاء الأخيرين، من الصعب النظر إلى «جذور فرنسا المعاصرة» باعتباره يطل على موضوعه في شكل موضوعي أو محايد. هو، في رأيهم أشبه بأن يكون كتاباً أيديولوجياً يحاول تين فيه أن يفرض رؤية للتاريخ تنحو إلى أن تنظر إليه نظرة تشاؤمية. وكأنه يسرد تاريخ عقود وعقود من حياة فرنسا ليصل في نهاية الأمر إلى أفكار سبق أن كوّنها لنفسه من قبل تتعاطى مع ذلك التاريخ من موقع تشاؤم يعكس تشاؤمه الخاص. والسؤال الآن بسيط: هل يمكن هذا أن يكون صحيحاً؟ أما السؤال الأكثر تعقّدا فهو: هل أثبتت وقائع التاريخ ومجرياته نظرة تين السوداوية كما هي؟ والحقيقة أنه إذا كان يمكننا أن نلاحظ أن بروديل لم يأخذ في حسبانه عند النظر إلى كتاب تين تشاؤمية هذا الأخير، سيمكننا أن نتحرى الأمر بأنفسنا من خلال التوغل في تلك الصفحات الثلاثة آلاف التي يتكون منها مؤلَّفه... ومن خلال الأجزاء الستة المتتالية التي حصر فيها تين نظرته الى التاريخ الفرنسي المعاصر له بدءاً من الثورة الفرنسية ومقدماتها- عند نهاية القرن الثامن عشر- وصولاً إلى السنوات التي عكف خلالها على تأليف الكتاب (بين 1875 و1893). ولعل الملاحظة الأولى التي يمكن إيرادها هنا هي أن تين حين كتب هذا التاريخ الفرنسي، إنما كتب تاريخاً عايش أكثر أجزائه بنفسه وبالتالي كانت كتابة التاريخ بالنسبة إليه أشبه باستعادة «ذكريات» شخصية، وبالتالي إبداء الرأي فيها تحديدا كما يمكن أن يفعل سياسي مؤدلج يهمه من التاريخ ما يثبّت مواقفه ونظرياته. ولنضف إلى هذا هنا، أن تين الذي عُرف في الحياة الفكرية الفرنسية كناقد ومناضل في سبيل تجديد الآداب والفنون، كان فاعلاً كذلك في الحياة السياسية الفرنسية، من موقع راديكالي أقرب إلى الفكر الاشتراكي ويتطلع دائماً إلى أمام ساعياً في سبيل التقدم. ولنفتح هلالين «محليين هنا لنذكّر بأن هيبوليت تين، كان واحداً من المراجع الفكرية والنقدية الأساسية في تكوين عميد أدبنا العربي طه حسين حين كان ينهي دروسه في فرنسا.

 

> إذاً إلى جانب اهتماماته الأدبية اهتم تين بالتاريخ وكان «جذور فرنسا المعاصرة» بالتأكيد واحداً من أبرز إنجازاته في هذا المجال. وحتى لو أن النقد استقبل كتابه استقبالاً بارداً آخذاً عليه كونه في نهاية المطاف يحلل التاريخ انطلاقاً من موقع يخدم الفكر البورجوازي الذي كان يحاول أن يطل برأسه في ذلك الحين، فإن تين لم يعبأ كثيراً بذلك النقد فهو بدا وكأنه إنما يضع في هذا الكتاب تصوراً لخيباته الخاصة إزاء تاريخ بدا بالنسبة إليه وكأنه لم يسر على الدروب التي كان يريدها له. في النهاية إذاً، كان الكتاب كتاب خيبة شخصية. ولكن هل كان من الممكن حقاً لمفكر ما وقد أضحى صاحب درجة وسمعة فكريتين كبيرتين أن يكتب ثلاثة آلاف صفحة كي يعبر عن تلك الخيبة؟ لم يجب أحد على هذا السؤال، على رغم أن أصحاب المأخذ كانوا كثراً. ومع هذا قُرئ الكتاب كثيراً وعاش أكثر بكثير مما توقع له خصومه ونقاده. بل اعتبر من ناحية ما، مرآة فكر حاضر وسائد في الحياة الفرنسية، ولا سيما خلال الزمن المضطرب، فكرياً وأيديولوجياً، الذي تناوله. وبالتحديد بدءاً من حديثه عن الخيبة التي مثلتها بالنسبة الى المؤلف تلك الجمهورية الثالثة وسياسيو النظام الجديد. ومن الناحية المنهجية على أي حال، أتى سياق الكتاب علمياً وتدرّجياً، حيث نرى مؤلفه يبدأ بدراسة البنى الاجتماعية الفرنسية تباعا في عهد الثورة ثم في عهد إمبراطورية نابوليون ففي عصر عودة الملكية وصولاً إلى ملكية تموز (يوليو)، ليصل أخيراً إلى ما سماه «ملاحظات حول فرنسا المعاصرة» كان من الواضح أن الهدف منها الوصول إلى نوع من التفسير لأحوال مجتمع الزمن الراهن، زمن المؤلف الراهن. ولكن لئن اتسم هذا التقسيم كله بطابع علمي فإن ما يُرصد بين السطور من ضروب قلق وملامة يبدو كإشعار للسياسيين المعاصرين بالذنب تجاه ما وصلت إليه أحوال المجتمع. والمدهش أن حصة التعبير عن هذا كله تتزايد بالتدريج من فصل إلى آخر من فصول الكتاب، ما أتاح لنقاد تين في نهاية الأمر أن يعتبروا الكتاب كتاب وعظ. لكن صاحب العلاقة كان على يقين من أنه إنما يتبع الأسلوب العلمي الخالص ونفس القوانين «التي كانت قد قادتني في شتى مؤلفاتي السابقة التي أثنى عليها نفس نقادي هؤلاء في حينه» كما كتب يقول في معرض الرد على بعض أولئك النقاد. بالنسبة إليه هو واثق من أن تدوينه للتاريخ لا يزال يتّسم بتلك الموضوعية الطبيعوية في تعامله مع تاريخ المجتمع الفرنسي.

 

> في الجزء الأول من كتابه، والذي يشغل مجلده الأول، وعنوانه «النظام القديم»،، يدرس تين شتى أزمات الثورة الفرنسية ولكن انطلاقاً من وضعية فرنسا القديمة حيث تجد شتى الأزمات جذورها. أما الأزمات نفسها فهو يدرسها في المجلدات الثلاثة التالية تباعا وعناوينها «الفوضى»، الغزو اليعقوبي»، و»الحكومة الثورية»، وهي المراحل التي تتعلق معا بالمرحلة الثورية ذاتها. وفي الجزء الثالث والأخير من الكتاب وعنوانه «النظام الحديث» يوزع تين الصفحات والفصول على مرحلتين يعنون أولاهما بـ «نابوليون بونابارت» والثاني بـ «الكنيسة والمدرسة». ونراه هنا يرسم صورة دقيقة لمجتمع جديد يرى أن مبدأ المساواة لم يحظ فيه، على رغم كل ما يقال، بأفضل مما حظي به في المجتمعات السالفة. يرى تين أن الاهتمام العام قد انزاح من مكان إلى آخر: في المجتمعات القديمة كان الاهتمام منكبّاً على الملذات، أما في المجتمع الجديد فلقد توجه الاهتمام صوب المال والمغامرات والحروب. ويقول تين إن الإمبراطورية النابوليونية إنما بنيت على هذه المبادئ الجديدة. ومن البديهي أن المؤلف لا يعبر عن أي رضى عن هذه المبادئ الجديدة حيث نلاحظ من الآن وصاعداً، في طول الكتاب وعرضه، رنة حزن شخصية تطغى على الأسلوب بل حتى على اختيار المفردات. وتبدو لغة الكاتب لغة حزن ونفور من كل ما يحدث في المجتمع أو يصبو إليه أهل هذا المجتمع، وكأن الكاتب ما وضع كل هذا الكتاب وما دوّن كل هذا التاريخ، إلا لكي يقدم ذلك النشيد الحزين خاتمة للكتاب ونتيجة لما دوّنه فيه. وبالتالي لم يكونوا مخطئين أولئك النقاد الذين قالوا إن تين بدلاً من أن يتناول الماضي في تعقّده مفسّراً، نجده ينصرف إلى نوع من الدوغمائية السلبية في تناول تاريخ سيقول كثر إنه أكثر تعقيداً بكثير من أن ننظر إليه تلك النظرة التبسيطية.

 

> عاش هيبوليت تين بين العامين 1828 و1893، وكان حين شرع في كتابة أجزاء «جذور فرنسا المعاصرة» يدنو حثيثاً من عامه الخمسين، ما جعله يشعر بأن المجتمع لم يحقق له أمنياته وآماله، ومن هنا ربما غلبت على نظرته التاريخية سوداوية لم تُعهد في مؤلفاته الأخرى.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.