لا أحد ينكر ما قد مر به القارئ من بطء أثناء قراءته للروايات العظيمة، ومدى حاجته للصبر حينها من أجل كسر الملل، والمضي بعزيمة كي ينتقل من فقرة إلى فقرة، ناهيك عن تكرار القراءة لفهم الحبكة، والوقوف على بعض النصوص مع الاستغراق لاصطياد الإشارات والأسرار، وكأنها قراءة لمنهج تريدُ له اختبارًا، وفي الحقيقة أنها فعلًا كذلك.

وإلا ما بقيت تلك الأعمال الكبرى لكبار الساردين حتى يومنا هذا تُدرس كمناهج أدبية في أكاديميات العالم، لما فيها من أسسٍ تُفسر عمقها وتأويلاتها المختلفة اللامتناهية، فكلما اشتد التأويل على النص زاد اتساعه، وبطؤت قراءته، فيقينًا أنه يمضي بالقارئ الصبور الذي أنهى تلك النصوص الجسيمة إلى قدرته على بناء فكرهِ الخاص وبالتالي نصوصه الخاصة بعد أن قطع ثمار هذا الإنتاج المُحكم والمكتوب لغايات أدبية أصيلة.

والنتيجة أن هؤلاء الأدباء العظام قلدهم من بعدهم أدباء كبار لم يتوقفوا عند التقليد، بل كانوا مجربين ومجددين... مآلها استحداث صنعة أدبية جديدة، وهنا نستطيع أن نقول إن التقليد في الأدب إذا لم يتعرض لابتلاء النحت أو فتنة الكشط أو قسوة التجريب، فإنه حتمًا سيصبح كالصورة المقلدة، فمهما كانت رائعة تبقى مزيفة.

النصوص الأولى كالأمواج المتدفقة في أشكالها الصادمة واللطيفة، لذا تبقى في أصالتها وطبيعة تكوينها هي المرجع الأول للروائي الجاد في كل بقاع العالم حتى يومنا هذا، ومثالًا على ذلك رواية «حُيّ بن يقظان» و«أولاد حارتنا» كنموذجين للخلق والإبداع، بينما «الحرب والسلام» صار مرجعًا لصراعنا كبشر، مرورًا بـ«ألف ليلة وليلة» و«دون كيخوت» و«جلجامش» والملحمة الشعرية «الإلياذة والأوديسة» نبدو في جميعها وكأننا نبحث عن الخلود...

والنتيجة أن تلك النصوص أودت بالكثير إلى طرق جديدة وأعمال مغايرة، وهذا ما جرى مع «أورهان باموق» القارئ المختلف لمحيطه ومدينته ولنفسه، فبنظراته المتناقضة بين السوداوية والجمالية قلَّد بمن تأثر من الكبار أمثال توماس مان الذي أحَبَّهُ كثيرًا وديستويفسكي معلمه الأول... لكنه خرج كمدرسة أخرى، وبالتالي لم يكن نسخة منهم، وهذا ما جرى مع نجيب محفوظ ومن خرج بعد ذلك من تحت عباءته، الذين قلدوه ولكن من دون أن يقتربوا من الحارة المصرية بل مبحرين في روح معلمهم محفوظ سابحين إلى أمكنة أخرى ينعشون فيها أدبًا.

وأخيرًا يبقى سر الكاتب الحصيف هو في قراءته للأعمال الكبرى والنصوص الأولى ذات النبوءة المداهمة، وذات التقاليد الأدبية الجذلة، وإن كانت بطيئة الفهم ومرهقة في صبرها... تبقى قراءة جديرة ومستحقة بل كفيلة بانتشاله من رواية الـ أنا الآخذة بالانتشار، والتي باتت هذه الأنونة المفكرة نرجسية بذاتها المؤلفة لا تقوم سوى بشرح الأحاسيس الخاصة الراكدة التي لا تصنع جوهر الأعمال لا في أرض قلوبنا ولا في سماء فكرنا.

* نقلا عن "البيان"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.