حتى وإن كان اسم الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس قد ارتبط منذ أواسط خمسينات القرن العشرين بتيار «الرواية الجديدة» إثر إصدارها واحدة من رواياتها الأولى، «شعرات تاركينيا الصغيرة» (1953) وكانت تدنو من الخمسين من عمرها ومضى على إقامتها في فرنسا نحو ستة وعشرين عاماً، فإن روايتها الوحيدة التي تنتمي حقاً الى ذلك التيار الذي يعود بجذوره الى فلوبير هي «انخطاف لول ف. شتين» التي من دون أن تكون أشهر رواياتها وأكثرها شعبية (فهذه المكانة تشغلها طبعاً «العاشق» و «مودراتو كونتابيلي» و «سد على المحيط الهادئ» من دون أن ننسى طبعاً نصّ «هيروشيما... يا حبي» الذي حوله آلان رينيه عام 1960 واحداً من أكثر الأفلام الفرنسية طليعية ومرجعية)، روايتها هذه هي بالنسبة الى النقاد والدارسين العمل الوحيد الذي يطبق مقولة فلوبير الرئيسية التي لم يتوقف أهل الرواية الجديدة عن اعتبارها منطلق كتاباتهم، المقولة التي تحلم بكتابة «رواية عن لا شيء». صحيح أن في «انخطاف لول ف. شتين» أشياء كثيرة وعدداً لا بأس به من شخصيات وتقاطعات وعلاقات، لكنها حقاً لا تريد أن تقول شيئاً في النهاية، بل لا يبدو عليها أنها تروي أي شيء، ولو أن لها بداية ووسط ونهاية!

 من ناحية الحبكة، إن سلّمنا بأن ثمة في هذه الرواية حبكة ما، لدينا هنا ثلاثة أزواج من الناس يعيشون ويتنقلون ويتم تبادل العلاقات في ما بينهم في مدن وأماكن غير محددة. وثمة راوٍ هو من يحكي لنا «الحكاية» من دون أن يكون هو شخصيتها الرئيسية. فهذه الأخيرة هي لول، المرأة الحلوة التي لا تريد شيئاً ولا يهزها شيء بما في ذلك اختطاف امرأة في حفل راقص، لخطيبها. فهي بدورها سوف تختطف خطيب صديقة لها، هو الراوي نفسه والمسمى جاك هولد، والذي يدخل في العلاقات ويرويها لنا من دون أي ارتجاج سيكولوجي أو مشاعر خاصة غير مهتم كثيراً حتى حين يرى «حبيبته» الجديدة لول وقد دخلت في علاقة مع حبيبته السابقة تاتيانا كارل التي كانت رفيقتها على أي حال، منذ الدراسة الثانوية. فلقد سبق أن قلنا أعلاه إن العلاقات في هذه الرواية تتغير وتتبدل ليس على إيقاع عواطف جديدة أو متجددة، بل على إيقاع مصادفات غير مبررة وقد تبدو أحياناً غير منطقية، ثم في أحيان أخرى وكأنها أشياء يخترعها الراوي الذي يتابع قدراً مدهشاً من تفاصيل لا معنى لها.

فهو على أي حال يريد أن يملأ بـ «حكاياته» الأزمان الثلاثة التي تنقسم اليها الرواية، وحتى من دون أن يكون لذلك التقسيم أي مبرر تسير نحوه الحبكة أو تنطلق منه. والأزمان الثلاثة هي: قبل عشر سنين، ثم أول من أمس ثم اليوم الحاضر الذي قد يبدو أنه هو زمن الحكي الذي تتشكل منه الحكاية. أزمنة يبدو أولها بعيداً جداً من زمنيها الآخرين، ومع هذا تتمكن لغة مارغريت دوراس- هي التي تتفادى أي حضور للسيكولوجيا في أي من نصوصها على أي حال، والبعيدة من كل منحى سيكولوجي- تتمكن من أن تُشعرنا بأن زمن الما قبل عشر سنوات هو أدنى الى زمن الحاضر أكثر بكثير من زمن الأمس. فالسنوات العشر التي تفصل بين القسمين الأولين من الرواية خالية من أية أحداث جديرة بأن تُروى لنا. هي زمن لا شيء ويخلو حاضر الراوي من أي ذكريات تتعلق بها، ولكن قبل الاستطراد، قد يكون من المفيد أن نتوقف عند ما يحدثنا الراوي جاك هيلد عن حدوثه من بداية النص الى آخره.

فالبداية، كما الحال كثيراً في نصوص مارغريت دوراس، تنطلق من حفـــل راقص يحضره المدعو ميكائيل ريتشاردسون مع خطيبته لول فاليـــري شتين في كازينو مدينة تي. بيتش التي لن نعرف أبداً أين تــقـــع فعلاً. وفي وسط ذلك الحفل، تدخل الى المكان امرأة رائعة الحسن بادية الغموض لا يبدو أن أحداً في المكان يعرفها، ولكن يخبرنا الراوي أنها تدعى آن- ماري ستريتر. ويخبرنا أيضاً كيف أن كثــراً من الحضور يُسحرون بتلك المرأة وبجانب الغموض في شخصيتها، غير أن الأكثر انخطافاً بها سيكون ميكائيل الذي أمام ذهول خطيبته لن يتوقف طوال الليل عن الرقص مع آن- ماري، لينتهي الأمر به عند آخر الليل الى الخروج من الكازينو معها وسط ذهول خطيبته لول وصديقتها تاتيانا. ومع ذلك المشهد، تختفي الحكاية وشخصياتها لنلتقي بهم بعد عشر سنوات وقد طرأت من دون أن ندري أين وكيف، مجموعة من التغيرات: لول تزوجت من الدكتور جان بدفورد، وتاتيانا من الدكتور بونييه وهذا لا يمنعها من أن يكون لها عاشق هو الراوي نفسه جاك هولد. أما اللافت في الأمر، والشيء الذي سيحدد المصائر الجديدة، فهو اكتشافنا بعد تلك السنوات العشر أن كل هؤلاء يعيشون في مدينة واحدة هي سي. تاهلا، التي مرة أخرى لن نعرف أين تقع. أما لول فإنها عثرت على آثار صديقتها تاتيانا عبر ملاحقتها جاك هولد الذي كانت قد اختطفته من تاتيانا، تماماً كما كان قد سبق لآن- ماري ستريتر أن اختطفت من لول خطيبها. والآن بعد الأحداث الأولى بتلك العشر سنوات الخاوية التي مضت، ها هما لول وجاك يتوجهان بالقطار الى مدينة تي. بيتش حيث الكازينو القديم. ونحن لئن كنا نلتقطهما عند بداية تلك الرحلة لن يكون من السهل علينا بصورة مباشرة وواضحة أن نفهم ما إذا كان هذا الثنائي الجديد ينطلق في محاولة لاستئناف تلك المغامرة القديمة، أم أن غايتهما محوها من الذاكرة من طريق مجابهتها.... لا يوضح أنا الراوي الأمور مع أنه الفاعل الرئيسي الآن.

بل بالأحرى قد يجدر بنا الآن أن نقول أن مارغريت دوراس الكاتبة نفسها لا يبدو أنها على أدنى اهتمام بمعرفة السبب الحقيقي لرحلتهما. بخاصة أن «انخطاف لول ف. شتين» وفي تعريف الكاتبة نفسها، رواية عن الذاكرة بقدر ما هي رواية عن النسيان. أو بالأحرى عن «فقدان الذاكرة» عن «الانخطاف بعيداً من الذاكرة». ولكن انخطاف من؟ لول كما يقول لنا العنوان؟ ليس هذا مؤكداً... لكنه بالتأكيد العنصر الأساس الذي يتسم هنا بغموض مماثل تماماً من ناحية لغموض آن- ماري ستريتر وتلك الرغبة الغامضة التي قادتها الى «خطف» ميكائيل من دون أن نكتشف نحن ما هي تلك المزايا أو السحر التي يتمتع بها وتجعل امرأتين تتخاطفانه، إذ حتى في الصفحات الأخيرة للرواية، ومن دون أن يقول لنا الراوي كلمة حول الأمر، سيكون في إمكاننا أن نفترض أن لول ف. شتين إنما تسعى من خلال رحلة القطار الى استعادة خطيبها وفي المكان نفسه الذي كانت فقدته فيه قبل عشر سنوات حتى وإن كان كل منطق في سياق العمل يقول لنا أن ذلك المكان لم يكن أكثر من نقطة عبور لا يمكن لميكائيل أن يكون قد فكر بالاستقرار فيها. فهل ترى لول تبحث عن المكان بالذات؟ تبحث عن تلك اللحظة التي أوقفتها الكاتبة في ذلك الكازينو قبل كل ذلك الزمن البعيد حتى وإن كانت واثقة من أن اللحظة من المستحيل أن تكون قد تواصلت حتى الآن؟

 لن نعرف أبداً. لكننا سنخمن في غياب هذه اللامعرفة التي هي ما يشكل جوهر الرواية على أي حال، أن جاك، طالما أنه هو من يروي لنا هذا كله، يلعب معنا لعبة متاهة تترابط فيها الأزمنة والأمكنة، ويعيد في سياقها ربط الأحداث والشخصيات مبتكراً إياها مستعيداً تفاصيلها على هواه في لعبة ماكرة مازحة تقوم على اللعب، بخاصة أنه كثيراً، خلال روايته الأحداث، ما يتوقف ليطرح هنا سؤالاً وليتخذ هناك قراراً ويورد بين الاثنين ملاحظة، بشكل تبدو هذه كلها على شاكلة ألغاز ليست موجهة الى رفيقة رحلته بقدر ما هي موجهة الينا نحن القراء الذين لا شك في أن لغة مارغريت دوراس (1914 - 1996) سينتهي بها الأمر الى خطفنا لندرك أن اللعبة الأساسية ليست هنا سوى لعبة اللغة، كما هي الحال دائماً في أدب هذه الكاتبة التي ولدت في الهند الصينية وغزت الحياة الثقافية الفرنسية طوال عقود لترحل أخيراً عن اثنين وثمانين عاماً سيدةً كبيرة من سيدات الأدب والمسرح والسينما في فرنسا، ولكن كذلك كمناضلة سياسية عنيدة في دفاعها عن الحرية وحقوق الإنسان في الجزائر وفيتنام وغيرهما.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.