الكتب ذات العيار الثقيل لا تفقد قيمتها، وتبقى مرجعاً تاريخياً، يعود له المؤرِّخون والباحثون، فبعض أطروحات الرئيس الأمريكي الثالث، توماس جيفرسون، لا تزال مرجعاً مهماً للباحثين، إذ لم يكن جيفرسون سياسياً وحسب، بل كان مفكراً بارعاً، له نظريات في علوم السياسة والاقتصاد، وكان له الدور الأكبر في صياغة الدستور الأمريكي، الذي لا يزال خالداً، رغم مرور أكثر من قرنين على كتابته، ومثل هذا ينطبق على كتب أخرى في جميع العلوم، وفي الجانب الآخر، هناك الكتب التي تطير بها الركبان في وقتها، ثم تندثر، عندما يتضح أنها مجرد فقاعات، أما أسوأ أشكال الكتب فهي ذات الطابع الفضائحي، والتي لا تخرج عن أمرين، فإما أن تكون كتبت لهدف محدد غير معلن، أو أنها مجرد صفقة تجارية رابحة، استغلالاً لحدث معين، يكون محط أنظار الناس.

أكتب هذا بمناسبة صدور كتاب: «النار والغضب»، الذي يدخل، في تقديري، في خانة الكتب الفضائحية، إذ استغل الصحفي، مايكل وولف، انحياز الإعلام الأمريكي ضد ترمب، وغضب مستشاره السابق، ستيفن بانون، فكتب هذا الكتاب، الذي يشبه أطروحات صحف التابلويد، وقد تحقق له وللناشرين ما أرادوا، فقد تلقف الإعلام هذا الكتاب، بعد تسريب بعض المقتطفات منه، خصوصاً ما رواه ستيف بانون لمايكل وولف، بخصوص الاجتماع الذي تم، بين الروس ونجل ترمب الأكبر، والذي قال بانون إنه سيتسبب باستجواب ابن ترمب وملاحقته قضائياً، وجدير بالذكر أن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية أشبع طرحاً وتحقيقاً، فقد كان هو المدخل، الذي استغله إعلام اليسار، للتشويش على ترمب، بعد أن جندل الأخير مرشحة اليسار الديمقراطي، وربيبة الدولة العميقة، هيلاري كلينتون، في واحدة من أكبر مفاجآت الانتخابات الأمريكية، إن لم تكن أكبرها، ورغم كل ذلك، لم يثبت، حتى اللحظة، أي شيء ضد ترمب!

وكان ثاني أهم ما تم طرحه في هذا الكتاب الفضائحي، هو الزعم بأن ترمب مضطرب عقلياً! وبعيداً عن تعجل ترمب، وسهولة استفزازه، وعدم استماعه لأهم مستشاريه، إلا أنه يصعب تصديق مثل هذا الزعم، فأمريكا ليست جمهورية موز في حوض الكاريبي، بل إمبراطورية تحكم العالم، والرئيس الأمريكي، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والجيش الأمريكي هو أقوى جيش عرفته البشرية، كما أن الرئيس وحده، هو من يملك حق إعطاء الأمر باستخدام السلاح النووي، الذي من الممكن أن ينهي الحياة على الكرة الأرضية خلال وقت وجيز، وبالتالي فلا يمكن التصديق بأن أمريكا، دولة المؤسسات العريقة، والتي تديرها أجهزة صلبة، ضمنها الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، ستسمح تحت أي ظرف، أن تكون قيادة الجيش الأمريكي، والزر النووي، تحت تصرف شخص مضطرب عقلياً! والخلاصة هي أن كتاب النار والغضب كان فكرة تجارية، شجعها خصوم ترمب، واقتنصها صحفي ذكي، مستغلاً حالة الشقاق، بين ترمب وأهم رجاله، وبالتالي فإن هذا الكتاب الفضائحي سيفقد بريقه، وينساه الناس بأسرع مما يتوقع الجميع، وستذكرون ذلك بعد حين!

* نقلا عن "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.