حكى لي مرة أستاذي (أزوما موتوئي) عن تجربته عندما كان يعمل بشركة يابانية مرموقة في مجال الإلكترونيات والبرمجيات. وقتها خرجت موضة إدارية بضرورة إعطاء الموظفين مجالاً للاسترخاء في الشركة ليتمكنوا من تفجير طاقاتهم الإبداعية. واعتمدت مجموعة من الشركات فكرة الغرفة المظلمة المزودة بكراسي وووسادات وبطانيات يستطيع المبرمج أن يغفو فيها قليلاً ليواصل عمله بكل نشاط بعدها. وما هي إلا فترة بسيطة وتم حذف تلك الغرف المظلمة من الوجود لأن المبرمجين صاروا يميلون للنوم لأوقات طويلة بتلك الغرف بل ووصل الأمر أن عمال النظافة أيضاً صاروا يزاحمون بقية الموظفين على تلك الغرفة.. وكانت النتيجة التي توصلوا إليها أن جهازاً آلياً لإعداد القهوة بأنواعها أكثر فعالية وأرخص تكلفة من الغرف المظلمة.. في مقالة اليوم نناقش معضلة إدارة المبدعين..

وننتقل إلى اليابان في نهاية القرن العشرين في شركة كونامي لتطوير الألعاب حيث كان كوجيما هيديؤو مخرج لعبة (ميتال جير) الشهيرة قد سطع نجمه وذاع صيته بسبب ألعابه المميزة. ولكن واجهت شركة كونامي معضلة كبرى بسبب الحس الفني العالي لدى كوجيما الذي لم يكن يقتنع بأداء الرسامين والمبرمجين ويطالب باستمرار بإعادة أعمال استمرت أشهراً طوالاً من الصفر مما أدى إلى تأخر الانتهاء من اللعبة وزيادة التكاليف بطريقة خرافية اضطرت شركة كونامي معها إلى التخلي عن كوجيما الذي غادر الشركة ليفتتح استوديوهاً خاصاً به... وتعتبر قصة كوجيما مثالاً حياً للصدام بين الإدارة التي تهتم بالموارد من أوقات وأشخاص وبين المبدعين الذين همهم الأكبر هو اللمسة الفنية في العمل دون اكتراث حقيقي بالوقت أو المال...

ولعل من أشهر القطاعات التي تواجه هذه المعضلة قطاع صناعة الرسوم المتحركة والتي وصلت الأمور فيه درجة اضطرت معها الشركات اليابانية لخفض أجور العاملين بشكل مخيف لحل مشكلة تأخر تسليم الأعمال. صاحب ذلك أنماط حياة لدى بعض العاملين بممارسة أعمالهم في منتصف الليل بحجة أن ذلك وقت الإلهام. وكانت النتيجة صعوبات في إدارة المشروعات والتواصل بين الإدارة والفنانين والمصمميين وغيرهم.

ومؤخراً أصبح عدد من شركات الرسوم المتحركة يميل لربط جميع الموظفين بما فيهم المبدعون لمواعيد عمل محددة بين التاسعة إلى السادسة. ورغم اعتراض نسبة من الفنانين في البداية إلا أن النتيجة النهائية كانت انخفاض التكلفة الإجمالية للمشروعات ثلاثين بالمائة ورفع مكافآت الموظفين العاملين كما في حالة شركة بوليجون بيكتشارز للرسوم المتحركة والتي أدخلت نظاماً ذكياً لمتابعة إدارة المشروعات ومراقبة الأداء لكل موظف ولكل فريق عمل على حدة.

وباختصار، لمن يعملون وحدهم فإمكانهم أن يسهروا ويعيشوا نمط الحياة الذي يريدونه، ولكن طالما ارتبط العمل بفريق فنصيحتي هي أهمية ضبط أوقات العمل ومتابعة الإنجاز لأن الإبداع والفن جميل، لكنه بلا قيمة إن جاء متأخراً عن وقت التسليم.

ولتبسيط الصورة، فلا يوجد حكم يحتسب هدفاً بعد نهاية المباراة مهما بلغ جمال ذلك الهدف.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.