لا أعتقد أن هناك سعوديًا وطنيًا واحدًا لا يقف مع حكومته في حربنا مع الانقلابيين في اليمن، تلك الحرب التي فرضت علينا فرضًا، واضطررنا إلى دخولها مرغمين. ولأنها حرب تتعلق بأن نكون أو لا نكون، فلا يهمني حتى وإن طالت الحرب لسنوات وسنوات حتى تحقق أهدافها، مهما كانت التكاليف المترتبة عليها؛ فنحن نواجه تمدد وتوسع الغول الفارسي، وأي تفريط من قبلنا في هذه المواجهة، فهو مباشرة ودون أي مواربة تفريط في أمننا الوطني. الفلسطينيون وبعض عرب الشمال يقولون: لماذا تضعون عداءكم للعدو الفارسي قبل العدو الصهيوني، والقضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى؟.. ودعوني هنا أقولها مباشرة: إذا كان تحرير فلسطين يعني أن نفرط، ولو قليلاً، بأمننا الوطني، فإن قضية فلسطين لا يمكن أن أقدمها على أمن وطني. هذا المنطق الذي أقول، هو حقيقة لن نحيد عنها قيد أنملة، سواء غضب الفلسطينيون، ومعهم (بعض) عرب الشمال أو لم يغضبوا، وهو - على ما يبدو لي شخصيًا - المنطق الذي لا يريدون فهمه.

الثقافة الطاغية عند الفلسطينيين ومعهم ما تبقى من فلول القوميين العرب، تضع قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى دون مراعاة لتباينات المصالح بيننا وبينهم. وأنا لا يمكن أن أوافق على منطق كهذا لأنه منطق غير موضوعي ولا عقلاني، ويتجاوز الواقع. نعم قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى طالما أنها لا تتعارض في أدق تفاصيلها مع أمن ومصلحة وطني، أما إذا تعارضت مع هذه المصلحة، فإن مصلحة بلدي هي الأولى.

ومن يقرأ تاريخ الصراع مع إسرائيل، سيجد بوضوح أن كثيرين، حاولوا تبرير مشاريعهم السياسية، بأنها تختصر الطريق إلى تحرير فلسطين، مع أنها لا علاقة لها بفلسطين مطلقًا؛ عبد الناصر قال ذلك واتجه بقواته إلى اليمن، وعينه على بلادنا. صدام قال ذلك، وغزا الكويت واحتلها. والآن ملالي الفرس، يقولون ذلك، ولم يجرؤوا أن يطلقوا رصاصة واحدة على إسرائيل، ولا أعتقد أن الساسة الفلسطينيين، بمن فيهم المتأسلمون، بلغوا من الغباء والغفلة قدرًا يجعلهم لا يدركون أن قضيتهم العادلة تحولت إلى مجرد قميص عثمان وأصابع نائلة، مجرد ذريعة لتحقيق أجندات أخرى.

ونحن كسعوديين، نعتبر أن قضيتنا التي نحارب من أجلها في اليمن قضية عادلة، وأن الحوثيين ومن تحالف معهم في الداخل والخارج، هم مجرد مطايا لإيران، يركبونهم مثل ما تركب المطايا لتحقيق مشروعهم الإستراتيجي التوسعي؛ صحيح أن هناك ضحايا لهذه الحرب من الشعب اليمني، لا شأن لهم بإيران، ولكنها دائماً الحرب التي لا يمكن إلا أن تكون قذرة، ويسقط بسببها ضحايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكن أي تقاعس منا، مهما كانت المبررات، سيكون انتصارًا للعدو الفارسي البغيض، الذي لن يتوانى في انتهاج أي مسلك، مهما كان ميكافيليا، لتحقيق هدفه التوسعي، ونحن كشعب وحكومة، ليس أمامنا إلا الوقوف بكل ما نملك في دربه.

وميض الأمل الذي يبدو في نهاية نفق هذه االحرب، أن بقاء هذا الغول فاعلاً في الصراعات الإقليمية، سواء في اليمن، أو العراق السليبة، أو سوريا أو لبنان، هو ضرب من ضروب المستحيل، فإذا كان قد حقق بعض الانتصارات هنا وهناك، فإن هناك ثورة عارمة ما زال يتقد جمرها تحت الرماد في الداخل الإيراني، لا يمكن للملالي أن يسيطروا عليها إلا بالتنازل عن مغامراتهم الطائشة في الإقليم، وفي السياق نفسه، فإن عدم الاكتراث بها، وتطنيشها من قبلهم كما هم يمارسون الآن يعني أنها ستبقى تستعر تحت الرماد، حتى تأتي اللحظة التي ستؤدي بعروشهم إلى السقوط، مثلما فعلت بالشاه؛ وهذا ما يجعلنا نعتقد جازمين أن بقاء إيران التوسعية مستحيل، وأن القضية قضية وقت ليس إلا.

إلى اللقاء
 

*نقلاً عن "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.