هذه الأيام تحتفل السعودية بالموسم الثاني والثلاثين لمهرجان الجنادرية، وهو أكبر تجمع سعودي عن الثقافة والتراث، يستقطب الاهتمام، ليس العربي فقط بل العالمي.

العام الماضي كانت مصر هي ضيف الشرف، وهذه السنة كان القرار بأن تكون الهند ضيف الشرف، وهو اختيار موفق وذكي، فالهند جزء أصيل من ثقافة ابن الخليج العربي، بل ابن الجزيرة كلها، منذ فجر التاريخ حتى اليوم.

32 عاماً هو عمر هذا التجمع السعودي الفريد، منذ بذره ورعاه حتى اشتد عوده، الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، واليوم صار مهرجان الجنادرية علامة سعودية مشرقة في المشهد الثقافي والنشاط الترفيهي، رابطاً بين القديم والجديد.

بنفس الدرجة من الأهمية للتراث والسوق التجارية المرافقة، وعرض كل ثقافات السعودية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها. هناك البرنامج الثقافي، واستضافة أسماء عديدة عربية وغير عربية للحديث والنقاش، بل والمناظرات الساخنة.

العلاقات مع قارة الهند، أي دولة الهند نفسها مع باكستان وبنغلاديش وغيرها، علاقات مؤثرة في الثقافة العربية، كما أن لها قيمتها في حركة التجارة القديمة المارّة بجزيرة العرب.

علاقات دينية اقتصادية اجتماعية ثقافية فنية، كل علاقة منها لا تكفيها الكتب والمجلدات للإحاطة بحدودها واتساعها.

يقول القدماء: «الهند هندك إذا قلّ ما عندك»، للدلالة على ما تمثله قارة الهند من مصدر غنيّ للفرص الحياتية، والهند كانت درة التاج الاستعماري البريطاني، كما نعلم، ومن أجلها أُسست شركة الهند الشرقية الكبرى 1960، وهذه الشركة هي التي جلبت بعدها الحضور العسكري والسياسي البريطاني إلى الهند والجزيرة العربية قاطبة من خلال الوجود البحري البريطاني في الخليج.

للتجار العرب قصة خاصة مع الهند، من الكويت وعمان وشرق الجزيرة العربية بل وحتى غربها، من خلال نموذج عائلة «زينل» التجارية التي أسّس عرّابها مدارس الفلاح بمكة، وكان من مشاهير تجار اللؤلؤ، وعلاقته التجارية بالهند معلومة.

كانت «بمبمي» أو مومباي حالياً، مركزاً علمياً وتجارياً واجتماعياً لأهالي نجد الأثرياء، ولهم فيها كما لأهالي الكويت والبحرين والشارقة ودبي وغيرها، صفحات تاريخية.

اليوم، وبعيداً عن حديث الماضي، تعد الهند لاعباً مؤثراً في العالم الحديث، واقتصاداً عملاقاً، وهي كبيرة من كبراء العالم في الصناعة والتكنولوجيا الرقمية، وغير ذلك، خصوصاً موقعها المؤثر في تجمع «بريكس» العالمي.

كان اختياراً موفقاً وذكياً من الجنادرية للهند، وعسى أن تكون فرصة لتفحص الماضي وتقليب الحاضر بين العرب والهنود من أجل صالح الكل.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.