يسعى العلماء إلى إيجاد مصادر نظيفة ومتجددة وصديقة للبيئة من الطاقة ذات كفاءة عالية لها القدرة على مواجهة الطلب العالمي. وهناك عديد من الأفكار الواعدة في البحث عن الطاقة البديلة، منها تسخير الطاقة الشمسية. فقد نجح الإنسان في تطبيق هذه التقنية على كوكب الأرض، خلال العقود الثلاثة الماضية، ورغم هذا النجاح فإن هذه التقنية تحتاج إلى تطوير بسبب بعض القيود التي تواجهها كحالة الطقس التي تؤثر عليها سلباً، فتكون غير فعَّالة أثناء وجود السحب، وعدم فائدة منشآتها في الليل، إضافة إلى فقدان نسبة كبيرة من الطاقة الشمسية عبر الغلاف الجوي بسبب عمليتي الانعكاس والامتصاص. لذلك اقترح العلماء التحرر من هذه القيود، وذلك عن طريق استيرادها من الفضاء الخارجي مباشرة ونقلها إلى كوكب الأرض.

حسن الخاطر

هناك ميزات كثيرة يتمتع بها الفضاء الخارجي، منها انعدام الطقس، إذ لا يوجد فيه غلاف جوي وسحب تحجب أشعة الشمس، وسوف يتميز التعامل مع أشعة الشمس فيه بكونه دائماً، بدلاً من الاقتصار على وقت النهار فقط، إضافة إلى توفير مساحات شاسعة في الأرض.

هذه الخصائص تجعل من الطاقة الشمسية المستوردة من الفضاء ذات كفاءة وفعالية مقارنة بنظيرتها على الأرض، فنقل الطاقة الشمسية من الفضاء إلى سطح الأرض سيكون إنجازاً عظيماً، وسوف تكون له انعكاسات إيجابية على جميع سكان الأرض، حيث سنحصل على إمدادات مستمرة من الطاقة النظيفة والمتجددة. وليس هذا فحسب، بل سوف تساهم في توقف حروب الطاقة في المستقبل!

من الخيال العلمي إلى العلم

تعود فكرة استيراد الطاقة الشمسية من الفضاء إلى كاتب الخيال العلمي المعروف إسحاق عظيموف. فقد تناول الكاتب هذه الفكرة الرائدة في قصته القصيرة "السبب"، المنشورة في عام 1941م، حيث تقوم محطة الفضاء الدولية بجمع الطاقة من الشمس وتزويد الكواكب بها عن طريق موجات الميكروويف الكهرومغناطيسية (القصيرة). وفي عام 1968م، تم التأسيس لهذه النظرية عن طريق عالم الفضاء الأميركي بيتر غلاسر، في مقال علمي كتبه في مجلة العلوم تناول فيه مستقبل الطاقة الشمسية، حيث اقترح وضع ألواح شمسية عملاقة في المدار الجغرافي الثابت للأرض على بُعد (36) ألف كم، تكون محمولة على أقمار صناعية، أي المحطة الفضائية الشمسية، وسوف تكون ثابتة بالنسبة لنا لتطابقها مع سرعة دوران الأرض، التي بدورها تقوم بامتصاص أشعة الشمس باستمرار، ومن ثم يتم نقل الطاقة لاسلكياً عن طريق موجات الميكروويف الكهرومغناطيسية (القصيرة) إلى كوكب الأرض وحيث يتم استقبالها بواسطة هوائيات استقبال، ومن ثم يتم تحويلها إلى طاقة كهربائية.

وقد حصل غلاسر على براءة اختراع رقم (3,781,647) لهذه الفكرة في عام 1973م، التي أفاد من خلالها نقل الكهرباء لاسلكياً لمسافات بعيدة. وبعد ذلك، أصبحت هذه الفكرة الواعدة محل اهتمام شديد من وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" ومن عديد من المؤسسات المرموقة. إلا أن مشكلة التكلفة العالية جعلت هذه الفكرة مجمدة لفترة طويلة. ولكن، منذ عام 1999م، بدأت وكالة "ناسا" ببرنامج البحوث والتقنية الاستكشافي للطاقة الشمسية الفضائية (SERT) على أساس أنها تقنية واعدة، بفعل الهبوط المستمر في تكلفة إطلاق الصواريخ إلى الفضاء الخارجي، ووضع أقمار صناعية في مدارات حول الأرض.

نقل الكهرباء لاسلكياً

وإذا كان مشروع المحطة الفضائية الشمسية خيالاً علمياً، فإن نقل الطاقة الكهربائية لاسلكياً ليس كذلك. بل هو حقيقة علمية. فنحن نشاهد في كل يوم عملية بث الموجات الكهرومغناطيسية من الأقمار الصناعية إلى سطح الأرض، فما الذي يمنعنا من نقل الكهرباء لاسلكيًا؟ هناك تجارب عديدة وناجحة في ذلك. فقد نجح العلماء اليابانيون والأميركيون بالفعل في عام 2008م، في بث الطاقة الكهربائية لاسلكياً على شكل موجات الميكروويف الكهرومغناطيسية (القصيرة)، بين جزيرتين في هاوي تفصلهما مسافة (148) كم! وكانت كمية الطاقة 20 وات وهي كافية لتشغيل مصباح فلوريسنت صغير.

 

وفي عام 2015 م، كانت هناك تجربة متقدمة وناجحة قامت بها وكالة استكشاف الفضاء اليابانية "جاكسا" في إرسال الكهرباء لاسلكياً على شكل موجات الميكروويف الكهرومغناطيسية (القصيرة)، لمسافة 55 م. والمهم في هذه التجربة أن كمية الطاقة كبيرة بلغت 1.8 كيلو وات(1800 وات)، وهذه كافية لتشغيل غلاية ماء! فكانت تلك المرة الأولى، التي يتم فيها نقل كمية كبيرة من الكهرباء لاسلكياً.

وعلى الرغم أنه ما زال أمامنا طريق طويل لنقطعه، إلا أن نجاح هذه التجارب يجعلنا من حيث المبدأ قادرين بالفعل على بث الطاقة الكهربائية من الفضاء ولمسافات شاسعة، وهذا هو التحدي الرئيس الذي يواجه العلماء، نقل الكهرباء وبقدر كبير من الطاقة من الفضاء ومن على ارتفاع 36 ألف كم إلى كوكب الأرض.

جاكسا مشروع واعد

تُعد اليابان من الدول الرائدة في تطوير الأبحاث في الطاقة الشمسية الفضائية، وهذا الشيء لاحظناه عندما كنا صغاراً في مسلسلاتها الكرتونية. فمن أشهرها مسلسل الخيال العلمي الكرتوني الذي أنتج في عام 1978م، (عدنان ولينا)، والذي يتمحور حول الدكتور رامي ومشروع الطاقة الشمسية. أما حالياً، فتعكف وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) بطوكيو، على إنشاء محطة فضائية شمسية، حيث تقوم بحصد الطاقة الشمسية من الفضاء بواسطة الأقمار الصناعية الثابتة وبثها إلى كوكب الأرض على شكل موجات الميكروويف، وقد تستخدم أيضًا أشعة الليزر.

وستكون المحطة الفضائية الشمسية المستقبلية قادرة على توليد واحد جيجا وات [مليار وات] أي ما يعادل محطة طاقة نووية! وسوف تستمر هذه المحطة في العمل وإنتاج الطاقة إلى أجل غير مسمى! وقد حددت العام 2030م لهذه الرؤية الرائدة. وهذا يعني أن جيلنا سوف يشاهدها خلال عقد واحد من الزمن! وإذا نجحت بالفعل، فسوف تتنافس جميع دول العالم للحصول عليها.

 

إن التقدم الملحوظ في النقل اللاسلكي للكهرباء بواسطة موجات الميكروويف، والتطور الحديث في مجال الليزر والتقنيات البصرية والتحسن الملحوظ الذي طرأ على الخلايا الشمسية، تجعل من الممكن نشر هذه الخلايا في الفضـاء، وبث الطاقة إلى كوكب الأرض.

ولا ننسى أيضًا أن مشروع المصعد الفضائي (الذي سبق لنا أن تناولناه)، سوف يسهم في خفض تكلفة نقل المواد من الفضاء وإليه، وهذا يعني أننا سنتمكن من أن نخزن الطاقة الكهربائية في بطاريات عملاقة على شكل تيار مستمر ونستوردها إلى الأرض ونقوم بتحويلها إلى تيار متردد، مثل العملية العادية التي نقوم بها على كوكب الأرض.

هناك مقترحات أن يستخدم القمر لهذه المهمة أيضًا. فبدلاً من أن توضع في الفضاء، ستكون هذه الخلايا الشمسية على سطح القمر، فتسمى الطاقة الشمسية القمرية (LSP)، وهذا يعني أننا سنزور القمر مرة أخرى من أجل الطاقة، وبالتالي قد يخبرنا المستقبل أن الطاقة التي نبحث عنها ليست موجودة على كوكب الأرض! بل هي في الفضاء الخارجي وعلى سطح القمر.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية