في كل مدن العالم الإسلامي تنتصب مآذن المساجد صاعدة نحو السماء. فهي المعلم البصري الأبرز الذي يصدح فوراً بالهوية الدينية للمكان وحضارته الإسلامية ومعمارها الديني المميَّز. ولأن خطابها التوحيدي هو واحد، ترتسم في الوجدان صورة تُقرّب كل المآذن إلى بعضها، وتختزلها في صورة بناء رأسي يعلو على ما يحيط به من أبنية. ولكن هيهات من أن تتمكَّن صورة واحدة لفضاء مدينة ذي مئة مئذنة من سرد تاريخ فن بناء المآذن الذي لم يتوقف يوماً عن التطور والتلوّن ما بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه.

تُعَرّف الدراسات الهندسية المئذنة بـأنها وحدة معمارية رأسية البناء، ودليل على مكان العبادة "المسجد"، وهي منطلق الأذان، لإعلام الناس بدخول أوقات الصـلاة. ففي كل ناحية من أحياء الـمدن وحواريها وشوارعها وفي البوادي، ترتفع المآذن رايات تُخبر كل عابرٍ أن هنا مكاناً تقام فيه شعيرة الصلوات الخمس.

هناك نظريات متنوِّعة حول أصل المئذنة، ولكن المؤكد تاريخياً أنه بعد إتمام بناء المسجد النبوي الشريف، كان على مؤذن الرسول بلال بن رباح -رضي الله عنه-، اعتلاء أحد المنازل المجاورة المرتفعة على المسجد، لإيصال صوته إلى سكان يثرب "المدينة المنورة"، صادحاً بأول أذان في تاريخ الإسلام. لتتبلور من لحظتها فكرة توسيع نطاق ومدى هذا الصوت الروحاني، الذي صار بمنزلة نداء لمواقيت الصلوات الخمس. وكان جوهر الفكرة يستند إلى أنه كلما ارتفع الشخص عن الأرض وصدح بالصوت، كان اتساع دائرة سماعه وانتشاره أكبر. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ سورة النور: (36)..
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ سورة البقرة: (127).

وحدث أولُ تطورٍ بنيوي في المئذنة، عندما أعيد تشييد المسجد النبوي، في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فرُفَعت وحدة بناء من الِّلِبْن في ركن المسجد، يرتقى إليها بواسطة أقتاب خشبيـة ثُبّتتْ في حائط المسجـد لتنقل بعد ذلك المئذنة من مجرد كتلة معماريــة بسيطة للغاية، إلى كيان معماري مستقل.

وفي عصر الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، حدث تطور آخر ومهم في عمارة المآذن، إذ عمد أثناء توسعته للمسجد النبوي، إلى بناء المنارات للأذان، وكانت في زمنه مربعة الشكل، ومنذ عصر عثمان، انتشرت المآذن في مساجد المدن الإسلامية كالبصرة، والكوفة، وصنعاء، والفسطاط.

مسار التنوُّع.. من الأمويين إلى المماليك

منذ بداية دولة بَنِي أميّة في الشام، أخذ المعمار الإسلامي يتطوَّر وفق عوامل التكوين الجغرافي والمواد الخام المستخدمة في البناء، لتشهد المئذنة ارتفاعات متفاوتة، وأعماراً افتراضية أطول، كمئذنة جامع القيروان التي بناها بشر بن صفوان (105 - 109 هـ/ 724 - 729م). وتلتها مئذنة قصر الحير الشرقي (110 هـ/ 730 م) في بلاد الشام.

ومع اتساع الدول الإسلامية ومن ثم تعدد الدويلات، تشكَّلت أنماط معمارية مختلفة أضفت مزيداً من التميُّز والتلوّن إلى الحضارة الإسلامية، وكانت المآذن مضماراً لسباق تلك الدويلات من الناحية الوظيفية والإعلامية والرمزية الدينية، وصارت دليلاً على الحيّ أو على الشارع، وأداة لإرشاد القادمين من خارج المدن، كما كانت النيران توقد في أعلاها للتنبيه بقدوم عدو. وقد ذكر المؤرخون أن الخبر كان يصل عبر المآذن، من سبتة على مضيق جبل طارق، إلى الإسكندرية، في ليلة واحدة، وبينهما مسيرة أشهر.

وفي العصر المملوكي أصبحت للمئذنة قاعدة مربعة المسقط قصيرة الارتفاع، يعلوها بدن مثمن في أغلب الأحيان أو مستدير في حالات قليلة، وينتهي بصفوف المقرنصات الصغيرة التي تحمل شرفات المؤذن، ثم يأتي الجوسق الذي تنوَّعت أشكاله من مثمن إلى مستدير، وله جدران مصمتة أو مفرغة. وفي هذا العصر تسربت التأثيرات الفنية الأندلسية إلى مصر.

واتجهت المماليك البحرية إلى نظام مآذن المباخر، مثل مئذنة زاوية الهنود في دمشق (1250م)، التي تكاد تكون صورة طبق الأصل عن مئذنة الصالح نجم الدين أيوب، وهي تتألّف من بدن مربع مرتفع تعلوه طبقة مثمنة، ثم عنق مثمن تعلوه مبخرة، ومثل مئذنة أحمد بن طولون التي أقامها السلطان لاجين ومنارة مسجد روما الكبير المكوَّنة من طبقتين، وعلى شكل مبخرتين، تعلو إحداهما الأخرى. والأكثر إثارة للدهشة في هذا الشكل المعماري، ما يزخر به مسجدا الأقصى في مدينة ربوة، وبادشاهي في لاهور بباكستان، إذ يحوي الأخير منارات مختلفة الأحجام، تشكِّل مشهداً من زفة المباخر البديعة ذات العمارة الياجورية الحمراء، تعلوها قباب بيضاء، وأهلّة نحاسية ناصعة اللمعان، إضافة إلى مسجد إدكاه في مدينة كاشغر بالصين، وجامع مسجد في مدينة دلهي بالهند.

نموذج قلم الرصاص

ينطلق هذا النموذج الذي حل محل المئذنة المربَّعة في أوائل العصر العثماني، عالياً من جوار قبة ضخمة، أو من بين مجموعة قِبَــاب تبدو على شكل خُوَذٍ لها رؤوس مدببة بقطعة نحاسية يعلوها شكل الهلال، ليمنح هذا الشكل حضوراً فنياً بديعاً، يختزل نتوءات القباب وشموخ الصوامع، وتنتج عن كل تلك التكوينات كُتْلة بنائيـة ضخمــة، تكثر فيها الانتفاخات المتكوّرة.

وقد اشتهرت مساجد إسطنبول بهذا النموذج، كجامع السليمانية الذي تميّز بمآذنه الشاهقة، والنحيفة بشكل مبالغ فيه، واستدارة بدنها المكوّن من حزمة من قنوات مقعرة، أو ضُلوع محدبة في وضع رأسي، وتحزمها نطاقات أفقية عدة، تعمَل كشرفات للمؤذنين، ثم تنتهي المئذنة في طرفها العلوي بمخروط ذي قمة حادة الزاوية.

يتضح التطور الكبير بمئذنة نموذج قلم الرصاص، في رسومات المآذن، حيث يعكس مُيُولـه نحو الشكل المخروطي في الأعلى، ويظهر كالرمح الطويل، بفارق أحزمة الشُّرُفَات التي تحزم المنارة، كأساور تفصل بين الطبقات، وصولاً إلى الشكل المخروطي الذي زاد نحافةً، خُصُوصاً بعد تطور تقنية الصوت، والاستغناء عن الصعود للأذان. وهذا التطور الشكلي للمئذنة، يتجلى في المنارات الـست لجامع السلطان أحمد بإسطنبول (الجامع الأزرق) الذي شيّد في أثناء حكم السلطان العثماني أحمد الأول.

فتح باب التطور على مصراعيه

وفي ستينيات القرن العشرين، ظهرت تطورات إبداعية ونماذج جديدة، تشبه الصواريخ المتأهبة للانطلاق. منارات مسجد الملك فيصل في إسلام أباد بباكستان، الذي جاء على شكل خيمة عربية سداسية الأضلاع. ويحوي الجامع أربع منارات، تحفّ بأركانه الأربعة، صُمِّمَتْ على شَكْل صواريخ بقواعد سُدَاسِيّة الأضلاع، تضيق بدرجة انحدارية تدريجية إلى الأعلى نحو 70 متراً، ثم يبدأ رأس المئذنة الذي يستدق أكثر منتهياً برأس صاروخي يعلوه الهلال، ليبلغ طول كل منارة 90 متراً.

ومن الأشكال المغايرة، مئذنة مسجد نكارا في كوالالمبور (شُيَّد في 1965م) التي تميَّزت بارتفاعها الشاهق وشكلها المربع، ويبلغ طولها 80 متراً، ثم فوق هذه الطبقة شرفة مُرَبَّعَة، وتعلوها القبة التي يعلوها الرمح المخروطي، وينتهي بالهلال، وكذلك منارتا مَسْجِد الفاتح في المنامة، اللتان تجمعان شكلين، هُمَا القاعدة والجذع الصاروخي، وكذا الطبقتان اللتان تبدوان كمبخرتين بمنتهى الجمال.

مـآذن شهيرة

مع تطور منظومة الفن المعماري الإسلامي، أصبحت بعض المدن تُعرَف بمساجدها. فاشتهرت القاهرة بمدينة الألف مئذنة، واشتهرت مُدن الشام والعراق والمغرب العربي والأندلس واليمن، ودول شرق آسيا، بجوامع خلَّدتْ سيرتها. ومن أشهر المآذن مئذنة الجيرالدا، لجامع إشبيلية، وقد حُوِّلَ المسجد إلى كاتدرائية، واستبدل الجوسق بنهاية على طراز عصر النهضة الأوروبي، وكذلك المئذنتان الملويتان لـجامع سامراء، وجامـع أبي دلف.

أما في الهند، فإن مئذنة قطب منار هي أبرز المعالم المعمارية في البلاد بأسرها بعد تاج محل. وتتميز هذه المئذنة باستدارة البدن ونحافتها وارتفاعها الكبير. وهي وحدة معمارية منفصلة عن المسجد الأصلي تتخذ مسقطاً مستديراً، يستدق قطره كلما اتجهنا إلى أعلى، وتتكوّن من خمس طبقات. تتخذ الطبقة الأولى شَكْلاً مُضَلعاً على هيئة نصف أسطوانة، وشكل مثلث بالتبادل، تمتد عليها أفاريز من الكتابات القرآنية محفورة على الحجر، بينما تبدو الطبقة الثانية أقل قطراً من الأولى بتضليعات نصف أسطوانية، ويمتد على بدن المئذنة شريطان كتابيان منفذان بالحفر البارز، فيما قطر الطبقة الثالثة أقل من الثانية، وبتضليعات متجاورة وبارزة. وتبدو الطبقة الرابعة أسطوانية غير مضلعة خالية من الزخارف. ويفصل الطبقة الخامسة الأسطوانية الملساء عن الرابعة، شرفة تستند إلى كوابيل أقل زخرفة من الشرفات الثلاث السفلى، وتنتهي من أعلى بشرفة، يتوسطها بدن صغير تعلوه قمة المئذنة. ومن أشهر المنارات مئذنة العروس في الجامع الأموي بدمشق، التي يعدّها كثيرون أول مئذنة بُنِيَت في العصر الإسلامي ووصلت إلينا.

وعلى صعيد البناء الطيني تُعدُّ منارة مسجد الشيخ عمر المحضار الشامخة في تريم باليمن أشهر وأطول منارة طينية في العالم، ويبلغ ارتفاعها 175 قَدَماً. وهي مربَّعة الشكل وبداخلها درج للصعود إلى أعلاها، وتتميّز بكونها مبنيَّة من اللِّبن، وجذوع النخيل رغم ارتفاعها الشاهق.

مـآذن عصر الأبراج

وفي العصر الحديث، استفاد فن بناء المآذن من التطورات الهندسية والتقنية، وصارت منارات المساجد هي الأعلى، وتجاوز بعضها المئة متر ارتفاعاً. وعلى هذا الصعيد تَبْرُز مآذن الحرمين الشريفين، حيث شُيدت في الحرم المكي أكبر مئذنة في العالم تُوّجت بأكبر ساعة حائط دخلت موسوعة غينيس، كما رُفِعَت في مقام الحرم المدني الشريف 10 مآذن، ليكون أول مسجد بعدد المآذن، يليه الحرم المكي بتسع مآذن. كما شُيّدتْ أطــول مئذنة في العالم، وترتفع 210 أمتار، بمسجد الحسن الثاني بالمغرب، تليها مئذنة جامع الفتح بالقاهرة التي ترتفع 130 متراً، ثم مآذن التوسعة الثانية بالمسجــد النبوي، وارتفاعها 105 أمتار، تليها مآذن المسجد الحرام بمكة المكرمـة وترتفع 92 متراً.

وتميّز مسجد الشيخ زايد بن سلطان في الإمارات، بأربع مآذن مكسوّة بالرخام الأبيض، علت أركان الصحن الخارجي بارتفاع 107 أمتار، تتفرق حول القبة الرئيسة التي تُعد أكبر قبة في العالم ويبلغ ارتفاعها 83 متراً.

وفي اليمـن تحف بجنبات جامع الصالح بصنعاء 6 منارات، بطرازها المعماري اليمني بالياجور، ومنقوشة بالجص الجيري، منها أربع منارات ارتفاعها 100 متر، واثنتان ارتفاعهما 80 متراً، والجزء السفلي للمنارات الأربع الأولى مبني من الحجر الأبيض، والعلوي مبني من الياجـور والحجـر الأبيض، وللمنارة ثلاث شرفات ويعلو كل منارة هلال يرتفع خمسه أمتار.

وأنت تشاهد المنارات تتساءل عن طريقة أدائها وظيفتها في إبلاغ الصوت، ومسألة صعود المؤذن إلى الشرفات بالسّلم الحلزوني. لكن مع التطورات والمكتشفات اختلف الأمر، فزال خوف المؤذن من الصعود، ولم يعد للمؤذن أن يكون جهوري الصوت طويل النَفَس، فبدلًا من صعود السلالم الطويلة، استُخدم السلك الكهربائي لإيصال الصوت إلى أعلى المنارة حيث مكبِّر الصوت، فيما المؤذن يصدح بالأذان من محراب المسجد.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية