"هيج" مصطلح يطلق على فلسفة حياة شعب الدانمارك، وينطوي على معانٍ إيجابية مثل الراحة واللطف والاسترخاء، كما يوحي بالشعور بالأمان والحماية والجمال ودفء القلب والمودة. ويرى الدانماركيون أن كل هذه المشاعر لا تتحقق إلا في وجود الأصدقاء والأسرة، مع تناول القهوة أو الشاي أو الكاكاو وقطعة من الحلوى على ضوء الشموع، فهل تكفي مثل هذه الأمور البسيطة أن تجعل هذا الشعب الاسكندنافي واحداً من أسعد شعوب العالم؟

مطلوب من الإنسان في عالم اليوم أن يكون عملياً، منتجاً، قادراً على العطاء، وأن يتقن التعامل مع التقنيات الحديثة والتحدث بعدة لغات، فهل هناك مكان في حياة هذا الإنسان للراحة والاسترخاء والهدوء؟ لقد أصبح عدد أيام العطل السنوية قليلاً للغاية، وساعات العمل طويلة بفعل الاتصالات الحديثة التي تكاد أن تمحو الحدود الفاصلة بين وقت العمل ووقت الراحة. وأمام تزايد هذه الضغوط، كان على الإنسان المعاصر أن يبحث عما يعيد إليه التوازن المفقود.

 

اختار الدانماركيون فلسفة خاصة تسعى لتحقيق التوازن النفسي انطالاقاً من ثقافتهم الخاصة ونمط الحياة السائد في مجتمعهم، ولعل ذلك هو سر نجاحها. إنها سعادة صادقة وغير متكلفة، سهلة التحقيق، تعتمد على تحلي الإنسان بالرؤية الإيجابية للأشياء مهما كانت صغيرة.

في العالم كله، ينتظر الأطفال والشباب العطلة الصيفية، ليستمتعوا بأيام وأسابيع خالية من الواجبات المدرسية، ويستطيعون فيها أن يمارسوا هواياتهم، ويلتقوا بأصدقائهم. لكن مواقع التواصل الاجتماعي تكشف عن شكاوى الأمهات بصورة خاصة من هذه الفترة، بسبب بقاء الأطفال في البيوت، وكأن السيدات نسين أنهن أمهات، واعتقدن أن حياتهن فيها ما يكفي من المشاغل.

أهمية الاجتماعات العائلية

أساس فلسّفة "هيج" هو أن تكتشف الأسرة روعة قضاء أفرادها بعض الوقت سوياً، والخروج للتنزه على شاطىء البحر، أو الجلوس في حديقة، أو اللعب سوياً، أو تبادل الأحاديث بين أفرادها كباراً وصغاراً حول الحياة والصداقة، دون التطرق إلى القضايا الخلافية مثل السياسة والصراع بين الأجيال. وإذا ساد الصمت، فلا بأس، أن تغوص أقدامهم في رمال الشاطئ، أو أن يلعبوا كرة القدم أو الكرة الطائرة، المهم أن يشعر الطفل أو الشاب أن السعادة لا ترتبط بهدية مادية، مثل جوَّال جديد أو درَّاجة نارية، بل يمكن أن يكون الوقت الذي يقضيه مع الوالدين، أمراً ممتعاً للغاية، ينصت فيه كل طرف للآخر، ويتحدَّث معه من قلبه. ولا يقتصر الأمر على الكلام الوعظي والنصائح النمطية، بل أن يشعر كل فرد أنه يقتسم السعادة مع الآخرين.

 

ليجرب الأب أن يسابق ابنه في السباحة، أو أن يتفوق الوالدان على أطفالهما في مباراة رياضية، أو أن يجرب الجميع تسلُّق الجبال، وأن يدققوا النظر في الأشجار الكثيرة، ليتعرفوا على تنوعها.

يقول الدانماركيون: "أحياناً تكون الأشياء الصغيرة قادرة على أن تأخذ حيِّزاً كبيراً في قلوبنا". فربما تسهم فراشة واقفة على زهرة في رسم ابتسامة كانت قد غابت طويلاً عن وجوهنا. كما يؤمنون بصحة ما قاله الفيلسوف والمؤلف الأمريكي هنري ديفيد ثورو في القرن التاسع عشر: "إنني أعرف أن أعظم ما أستطيع تقديمه لصديقي، هو أن أكون صديقه، وحين يعرف هو الآخر أني سعيد بحبي له، فإنه لن يتمنى مكافأة أكبر من صداقتي له". ولربما بدت فلسفة هيج ساذجة للبعض، لكن تعقيدات الحياة المعاصرة تفرض علينا تذكر البديهيات.

الوحدة والسعادة واستعادة أمور من الماضي

في عالم اليوم، تنشأ صداقات مع مئات الأشخاص، لكنها صداقات في العالم الافتراضي، ويكتفي الشخص بأن يكون بمفرده في العالم الواقعي، ومعه هاتفه الذكي، صديقه الأقرب إلى قلبه ووسيلته للتواصل مع الآخرين، يصور به الطعام حتى يشاركه الآخرون به، ويستشير من خلاله الأصدقاء في اختيار الملابس أثناء تجربتها في المتجر. وإذا أراد الأبوان أن يبحثا أمراً مهماً مع أطفالهما، فأفضل طريقة أن يتم ذلك عبر الجوَّال. ولم يعد كبار السن بحاجة إلى الأبناء والأحفاد، فقد أصبح هناك إنسان آلي، يسليهم، ويذكرهم بمواعيد الأدوية، وبوقت النوم، ويعزف لهم الموسيقى التي يحبونها.

 

في طفولتنا كانت أمهاتنا تسمح لنا أن نجرب الطعام قبل أن ينتهي. فتعطينا من عجين الحلوى المخلوط بالسكر والفانيليا والكاكاو لنتذوقه، وكنا نفعل ذلك بسعادة عارمة. ففكر الدانماركيون أن استعادة الكبار لطفولتهم للحظة من خلال تناولهم هذا العجين قبل شيّه في الفرن، سيكون من مصادر السعـادة المتجــددة، فأصبحت هناك شركــات متخصصة في بيعه.

ويقوم الناس حالياً بدعوة الأصدقاء والأقارب من خلال اتصال هاتفي أو رسالة نصية قصيرة أو البريد الإلكتروني، لكن فلسفة" هيج" تدعو إلى العودة إلى الأوراق المزركشة، والمكتوبة بعناية بخط جميل، ولا مانع من إضافة رسم ملوَّن، عندها سيكون رفض مثل هذه الدعوة أمراً مستحيلاً، لأن من يبذل هذه الجهد في الترحيب، لا بد له من أن يجعل الدعوة حدثاً فريداً، ووقتاً لا ينسى.

وإذا كان غالبية الطلاب الجامعيين ينتقلون إلى مدن غير التي يقيم فيها الوالدان، للتعود على الاستقلالية وتحمل المسؤولية والتعامل مع المال وصعوبات الحياة اليومية، فيسكن الواحد منهم في شقة صغيرة توفرها له المدينة الجامعية، فيها مكان للنوم والمذاكرة وإعداد الطعام إضافة إلى حمام، وغالباً ما يظل الباب الفاصل بينه وبين بقية الطلاب موصداً، لحاجة الطالب إلى كل لحظة للمذاكرة، فإن الكثيرين ينسون أن الإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى التحدث مع الآخرين، واقتسام الوقت القليل المتبقي من اليوم مع غيره. لذلك، فإن كثيراً من الدانماركيين أصبحوا يفضلون السكن في شقق يتقاسمها عدة أشخاص، لكل منهم غرفة نومه، لكن المطبخ والحمام وغرفة المعيشة كلها مشتركة ليحدث الاحتكاك والتواصل بينهم، مما يرفع معنوياتهم، ويجعلهم أقدر على التغلب على ضغوط المذاكرة.

 

وبدلاً من أن يضع كل شخص سماعة في أذنه، ليستمتع بالموسيقى التي يحبها، تشجع فلسفة الحياة الدانماركية على الذهاب إلى الحفلات الغنائية، للاستماع إلى الغناء الحي، والمشاركة في الغناء بأصواتهم، سواء كانت عذبة أم لا، يصحبهم أبناؤهم أو أصدقاؤهم، عندها يتحوَّل الجميع إلى كتلة من البشر السعداء، وتتحرك أذرعهم وأرجلهم على إيقاع موسيقي، فتهتز قلوبهم وتنسى أي متاعب كانت تؤرقهم.

تجربة أسرة ألمانية في الدنمارك

تقول عائلة ألمانية وهي تروي قصة هجرتها إلى الدانمارك، إن قرارها جاء بصورة غير متوقعة. فقد بدأت الحكاية بعطلة صيفية في العاصمة كوبنهاجن، لاحظ الوالدان خلالها أن الناس من حولهما هم أكثر بشاشة ووداً مما اعتادا عليه في بلادهما. فإذا استقلا المواصلات العامة، وجدا دوماً من يهب لمساعدتهما في حمل عربة الطفل الرضيع، وإذا ركبا القطار وجدا شباناً مراهقين يداعبون أطفالهما ، ولا يكترثون باختلاف اللغة، فيفلحون في نقل المودة والروح السمحة، حتى من دون كلمات، على عكس الشباب الألماني الذي يستاء من وجود أطفال أصغر منهم، والجيران الذين يشتكون من صوت الأطفال، ورفض السكان لبناء رياض أطفال بالقرب من منازلهم، خوفاً من إزعاجهم وقت الظهيرة.

اعتقدت الأم أنها تبالغ في رؤية الأوضاع هناك، وظنت أنها ترتدي نظارة وردية، تمنعها من النظر إلى الأمر بموضوعية، لكنها اكتشفت أن زوجها، المعروف بحبه للغة الأرقام والحقائق المجردة، يشاركها الشعور نفسه، بأن شيئاً مختلفاً هناك، وأن الناس قادرون على نشر ما في داخلهم من سعادة إلى من حولهم.

سمع الوالدان للمرة الأولى كلمة "هيج"، واعتقدا أنها مجرد شعار فضفاض. ثم علما أن الدانماركيين يحتلون منذ سنوات المراتب الأولى في التقرير السنوي للأمم المتحدة عن الشعوب التي يشعر أفرادها بالسعادة، وأن 71 في المئة منهم يرون أن أكثر الأماكن التي توفر لهم هذا الشعور هو بيت الأسرة، وأن 78 في المئة منهم يحرصون على قضاء مســاء الجمعــة على الأقـل من كل أسبوع مع العائلة والأصدقاء.

 

عرفا بعد ذلك أن هذا المصطلح موجود منذ القرن التاسع عشر في الدانمارك، وأنه يُعد ركيزة أساسية في فلسفة حياتهم ونمط معيشتهم ونبع سعادتهم، وأنه يعني الشعور بالأمان ودفء الانتماء لمجموعة من الأقارب أو الأصدقاء، يشعر الشخص بينهم أنه إنسان محبوب، ومرغوب في وجوده، ويشعر من حوله بأنه موضع ثقتهم، وأنه يمكنه الاعتماد عليهم.

أدركا أن "هيج" ليست الشموع التي يستبدل بها الدانماركيون المصابيح الكهربائية، وليست المفارش والأغطية الصوفية التي تميز غرفهم، بل هي في المقام الأول مناخ يسود تجمع الأسرة أو الأصدقاء، يشعرون فيه بأنهم لا يحتاجون إلى التكلف أو التصنع، بل يكونون على سجيتهم، يستمتعون بالطعام اللذيذ دون تفكير طوال الوقت في السعرات الحرارية، وقبلها يشاركون في إعداد الطعام، أو يذهبون إلى مطعم يعجبهم، لأن هذا المزيج من الطعام والموسيقى والصحبة الطيبة، يسهم في نشأة هذا الشعور الفائق بالسعادة.

وأثناء أيام العمل في بحر الأسبوع، يستمتع الدانماركيون في مكاتبهم، خلال فترات الاستراحة، بتناول القهوة أو الشاي سوياً، مع قطعة من الحلوى المصنوعة في البيت، تعلوها ثمار الفراولة أو التوت، ولا ينسون إشعال الشموع وتزيين المكان بالزهور.

قال الوالدان الألمانيان إن الدانماركيين يتركون عربات أطفالهم، وفيها الرضع وهم نائمون، خارج المتجر، ويتبادلون الحوار سوياً وطويلاً بعيداً عن أطفالهم. في حين لا يترك الألمان أطفالهم بعيداً عن أعينهم لحظة واحدة، يأخذونهم معهم أينما ذهبوا. الدانماركيون يعتقدون أن بوسعهم الثقة في غيرهم سواء كانوا من بني جلدتهم، أو حتى من الغرباء، لأنهم يؤمنون أنه ليس من الطبيعي أن يؤذي أحد طفلاً بريئاً أو أن يخطفه. إنها ثقة متأصلة في داخلهم، تجبر من يأتيهم على أن يحترم ما منحوه من ثقة، حتى من دون أن يعرفوه.

"قانون جانتي"!

قالت لهما سيدة دانماركية إن هناك ما يعرف باسم "قانون جانتي"، وهو عبارة عن عشر قواعد تضمن هيمنة العدالة في العلاقة بين الجميع، ومحور هذه القواعد هي أنه: ليس هناك شخص أفضل أو أذكى أو أهم من الآخرين. ولكن هذه القواعد لا تمثل حقوقاً فقط، بل تعني أيضاً واجبات ضخمة، لأن تحقق العدالة بين الجميع يتطلَّب من كل شخص أن يقدِّم أفضل ما عنده، حتى يصبح المجتمع سعيداً ومنصفاً. فالمواطن الدانماركي مستعد بكل طيبة خاطر لدفع ضرائب باهظة من راتبه، لأنه إذا احتاج يوماً لدعم الدولة، سيحصل على ما يضمن له حياة كريمة. إنها قناعة بضرورة التكافل بين الجميع، وإيمان بحق المحتاج في دعم الآخرين له.

 

ولا يحرص الناس في الدانمارك في بداية التعارف على السؤال عن الوظيفة، لأنهم لا يقيّمون الإنسان بوظيفته وبالتالي بدخله المادي، بل يسعون للتعرف على الإنسان وليس ممتلكاته ومستواه الاجتماعي. وإذا كانت هناك شعوب كثيرة تغبط من استطاع أن يسبق الآخرين، ويزيح من يقف في وجهه، فإن الدانماركيين يشعرون بالاستياء من الشخص الذي يسعى لإظهار أهميته، لأنَّ كل فرد هو ببساطة مهم. فشعور الشخص بأنه عضو في فريق، يضمن تفوق الجميع، وسعادتهم طبعاً.

أهم ما في الحياة

يشعر الدانماركيون بالسعادة لأنهم يستمتعون بكل ما يفعلونه في وقته. فإذا تناولوا القهوة، لا يفكرون في العمل الذي ينتظرهم، ولا في كيفية توزيع الأولويات على المهام للانتهاء منها فوراً. وهذه القدرة على الاستمتاع باللحظة، تمنحهم الطاقة للقيام بالعمل على أكمل وجه بعد ذلك.
وهم يرون أيضاً أن أهم الأشياء في الحياة، غالباً ما تكون مجانية، لا يمكن شراؤها بالمال. فالحب والثقة والمودة والاسترخاء والتفاؤل وغيرها من العناصر المكوّنة للسعادة، لا تحتاج إلى أرصدة كبيرة، بل إلى قلب منفتح على الآخرين وعقل متزن. لذلك، فإن البقاء في العمل بعد الزملاء لا يدل على الولاء للمؤسسة، بل يكشف عن افتقاد الإنسان للقدرة على الاستمتاع بالحياة، وأن حياته الخاصة ليس فيها ما يستحق أن يترك العمل من أجله.

 

مَنْ يُرد أن يجرب فلسفة السعادة الدنماركية، فما عليه إلا أن يلتزم بالعناصر التالية:

• البعد عن الوحدة.

• تناول الطعام الجيد.

الاستمتاع باللحظة وعدم التفكير في الماضي أو المستقبل.

الإيمان بأن الجميع متساوون بغض النظر عن الحالة المادية أو المستوى الاجتماعي.

الشعور بالدفء والسكينة في كنف الأسرة أو الأصدقاء.

الخروج إلى الطبيعة والاستمتاع بتفاصيلها.

اعتبار البيت سكناً ومصدراً للسلام الداخلي، وتلافي التفكير المادي في اقتناء الأثاث الغالي والحديث.

التخلص من التوتر مهما حدث، من خلال الإيمان بالله، والتفاؤل بغدٍ أفضل.

التعرف على ما يسعد وعدم الانجرار وراء الموضة وما يعجب الآخرين.

الشعور بالرضا عما هو عليه، لأن الرضا سرّ السعادة.

 

كنا نعتقد دوماً أن الأوروبيين حريصون على كل ثانية ودقيقة، ويعيبون علينا نحن الشرقيين أخذنا الأمور بهدوء، فلا ننظر كل خمس دقائق إلى الساعة، فطعامنا العربي يحتاج إلى ساعات طويلة، ونحن نجلس لنتسامر طوال الليل. يبدو أن السعادة تجمع بين الجد والدقة في العمل، والاسترخاء والهدوء في وقت الراحة، "هيج" فلسفة سعادة، ربما تستحق التجربة، حتى ولو بدت للبعض ساذجة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية