إنه واحد من أكبر المتاحف العلمية في العالم، يتألف من 27 مبنى متصلاً على مساحة 150 ألف متر مربع، ويحتضن 45 معرضاً دائماً، في متاهة عملاقة من القاعات والأروقة، تعجز رغم ضخامتها عن أن تعرض في وقت واحد أكثر من كمية محدودة من مقتنياتها التي يبلغ عددها 32 مليون عيِّنة من النباتات والحيوانات والأحافير والمعادن والنيازك والمشغولات اليدوية من مشارق الأرض ومغاربها، بعضها أصلي وبعضها الآخر مجسم طبقاً للأصل، يشرف عليها 220 عالم أحياء وأحافير. وبالتالي لا يمكننا، كما لا يمكن لأي زائر، الزعم أن زيارتنا إلى هذا المتحف تجاوزت ما يشبه الإطلالة على ما هو عائم من جبل الجليد.

واجهة المتحف الأمامية ومدخله

من صخب اليوم إلى أعماق الماضي

لم نكن نتخيَّل أننا سنجد أنفسنا محاصرين، كشوارع المدينة المغلقة حينذاك في وجه السيارات، بسباق الماراثون السنوي. فلم نجد بدّاً من الترجل من التاكسي والمضي باتجاه ميدان تايم سكوير مشياً على الأقدام، لنواجه درجة الحرارة التي تقترب من الصفر، بوجوه عارية إلا من العزيمة على نيل متعة أكبر بمشاهدة ما يجري.

وعلى الرغم من البرد الشديد، واصلنا السير نحو المتحف، عبر الميدان الشهير بالمحلات والمجمعات التجارية التي تضم أشهر الماركات العالمية، مروراً بمبانٍ شهيرة كمبنى الراديو سيتي، ومحطة أي بي سي، وعبر شارع البرودواي باتجاه منطقة كولومبوس سيركل، ثم إلى ميدان لينكولن في جادة كولومبوس، حتى بدأ المبنى الضخم يتراءى لنا شيئاً فشيئاً، إلى أن وصلناه بعد أن قطعنا ميلاً ونصف الميل تقريباً في 50 دقيقة، تخللتها وقفات لمشاهدة الماراثون السنوي في مانهاتن والتقاط الصور واقتناء التحف التذكارية.

استوقفتنا بعض المشاهدات في الطريق إلى التاريخ، فأحد الرجال الذي وهن العظم منه واشتعل الرأس والوجه شيباً أثار فينا الإعجاب وهو يجري مع متسابقي الماراثون، والعربة التي يجرها الحصان جعلتنا نظن لوهلة أننا في أحد حواري دمشق أو القاهرة القديمة، أو كأننا دخلنا التاريخ قبل دخول المتحف.

قد تبدو هذه الواجهة على أنها مدخل المتحف، إلا أنها في الواقع مكرَّسة لخروج الزوار

روزفلت في الواجهة

أول ما استقبلنا عند مدخل المتحف، نُصْب تذكاري للرئيس الأمريكي الراحل روزفلت وهو يمتطي حصانه، وطابور طويل من الزوار ينتظرون دورهم للدخول، حتى هممنا بالرجوع من حيث أتينا. لكنّا ما إن التقطنا الصور التذكارية مع روزفلت، حتى اكتشفنا أن هذا الطابور يمضي بسلاسة، فانضممنا إليه، لنجد أنفسنا خلال دقائق في قاعة الاستقبال الرئيسة.

كان أمامنا هيكلان عظيمان ضخمان؛ أحدهما لـ(الألوصور)، أحد أضخم الديناصورات آكلة اللحوم، التي ظهرت على كوكب الأرض وعاشت منذ نحو 145 مليون عام، والآخر لـ(الباروصور) أي «السحلية الضخمة»، وهو ديناصور آكل للنباتات. وبجوارهما ديناصور صغير في تناغمٍ يوحي وكأن الديناصورين الضخمين يحميان صغيرهما، الضخم قياساً بشاحنة عادية.

في قاعة الاستقبال شعرنا وكأننا نسير مع الحشود في إحدى الثُريَّات العملاقة ذات التصميم الباذخ المُحاط بالمشغولات اليدوية عالية الدقة .. اشترينا تذكرة الدخول إلى جناح التاريخ الطبيعي وكأننا نشتري آلة الزمن للدخول إلى العالم الذي لا يشبهه آخر على وجه الكوكب.

الباروصور( السحلية الضخمة) هو ديناصور آكل للنباتات، عاش في أواخر العصر الجوراسي - منذ حوالي 150 مليون سنة

قاعة الثدييات

هذه القاعة هي الأقرب مكاناً وإلهاماً للزائر إذا أراد أن يبدأ رحلته في اكتشاف التاريخ الطبيعي. ولعل تميُّز قاعات الثدييات بإبراز صورة دقيقة للمواقع الجغرافية التي تنتمي إليها، مع تشريحٍ عالي الدقة للعينات، هو ما يجعلها الأكثر شهرة في العالم. وسيكون على الزائر أن يجدول وقته وفقاً للأجنحة التي سيزورها، وإلا فإنه سيُفجع بالوقت الذي قضاه في قاعة واحدة! لذا، من المهم أن يتم التنسيق لزيارة جميع عينات الثدييات الموزعة في: جناح عائلة برنارد لثدييات أمريكا الشمالية، وجناح أكيلي لثدييات القارة الإفريقية، وجناح الثدييات الآسيوية، وجناح ثدييات ولاية نيويورك، وجناح الثدييات الصغيرة، وجناح القرود.

تتميز قاعة الثدييات بالتشريح عالي الدقة للعينات المعروضة حتى يكاد الزائر يظنها عينات محنَّطة

قاعة الأحافير

تُعد قاعة الأحافير في المتحف من أهم مناطق الجذب الرئيسة في مدينة نيويورك على الإطلاق، بل هي أشدّها، ويظهر ذلك في الحشد الكبير من زائري جناح ديفيد كوخ للديناصورات، وجناح ليلا أشيسون للثدييات وأجزائها المنقرضة. وتُعرَض تلك الأحافير في أجنحة كبيرة تناسب ضخامة العينات المعروضة، في جناح باول آند إيرما ميلستين، وجناح طيريَّات الورك أو طيريات الحوض (الأورنيثيسكيا)، وجناح الثدييات البدائية، وجناح سحليَّات الورك أو سحليات الحوض (السوريشكيا)، وجناح أصول الفقاريات. وسيتمنى الزائر لو أنه تزوّد بأنواع إضافية من عدسات الكاميرا التي تتميز بالتصوير العرضي مثل عدسة (عين السمكة) حتى يتمكن من التقاط العينات الضخمة.

قاعة الثقافات وأصول البشر تعطي الزائر صورة عن تنوع الثقافات عبر الزمان والمكان

الثقافات وأصول البشر

وسيكون الزائر محظوظاً إن تمكّن من زيارة قاعات الثقافات وأصول البشر بسبب اكتظاظها بمئات الزائرين الذين جاؤوا من كل حدبٍ وصوب للبحث واكتشاف أصولهم الإنسانية، وليقتربوا من قصة تطوّر الأسرة البشرية في أجنحة هذه القاعة التي تُبرز مختلف الثقافات في آسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، والمحيط الهادي. ويجدر بالزائر أن يكمل زيارته لتسعة أجنحة تضيء ثقافات وحياة البشر في المكسيك وأمريكا الوسطى، وفي إفريقيا، وآسيا، وفي مناطق غابات الهنود الشرقية، والهنود الذين يعيشون في السهول، وهنود الساحل الشمالي الغربي، والبشر في الباسفيك، وسكان أمريكا الجنوبية. ونظراً لدقة التصوير والتجسيم والتشريح، لا يعود من المستغرب أن يتحدث زائر متيَّم بالتاريخ الطبيعي إلى هذه المعروضات.

يستقبلك عند مدخل المتحف نصب تذكاري للرئيس الأمريكي روزفلت

مركز «روز» لعلوم الأرض والفضاء

يسيطر هذا المركز على خيال الزائر ويأخذه عبر مجال «هايدن» في مسار تاريخي لاكتشاف 13 بليون عام من عمر الكون، وطبيعة المجرات والنجوم، والكواكب، وميزات ديناميكية في كوكب الأرض. ويأخذ المركز الزائر في جولة كونية عبر قبة «هايدن» السماوية ومسار هاريت وروبرت الكوني، والموازين الكونية التي توضِّح بجلاء مجموعة واسعة من الأحجام في الكون، بدءاً من الجسيمات دون الذرية ومروراً بالكائنات المشابهة لحجم الإنسان إلى أكبر الأجسام في الكون يمكن ملاحظتها.

النصب التذكاري لـ ثيودور روزفلت

خلال تجولنا بين جنبات المتحف، اكتشفنا أنه هو موطن النُصْب التذكاري الرسمي لـ ثيودور روزفلت، الحاكم الثالث والثلاثين لولاية نيويورك والرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية. فمررنا بمعروضات تحكي إنجازات روزفلت عندما كان حاكماً للولاية وكذلك عندما كان رئيساً للولايات المتحدة. وهو تكريم له نظير الإرث الذي خلّفه حرصه في المحافظة على الطبيعة عندما أسهم في تأسيس هذا المتحف. ولن يفوّت الزائر فرصة الجلوس على الكرسي ملاصقاً لنُصْب روزفلت لالتقاط صورة تذكارية تاريخية.

التنوع البيولوجي وقاعات البيئة

وللتنوع البيولوجي والبيئة أربع قاعات تقدم رؤية حية وملهمة للجمال ومشاهدة واقع الحياة على الأرض، كالغابات الشهيرة في أمريكا الشمالية، والحياة في المحيطات. وسيشتعل حماس الزائر مرة أخرى في هذه القاعات لتصوير مجموعة واسعة من حياة الطيور في العالم، وقاعة الزواحف والبرمائيات، وستعجبه أساليب التشريح والسلوك والتعديلات المختلفة لهذه الفقاريات بأسلوبٍ دقيق ومتنوع. وقد خصص المتحف أربع قاعات، هي: قاعة طيور العالم، وقاعة طيور مدينة نيويورك، وقاعة ليونارد سانفورد لطيور أمريكا الشمالية، وقاعة مخصصة للزواحف والبرمائيات.

قاعة الاكتشاف (ديسكفري)

تقدِّم قاعة ديسكفري للأسر، وخاصة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5-12 عاماً، بوابة تفاعلية لعجائب المتحف، وتدريباً عملياً على كواليس العلوم. ويكفي أن يصحب الوالد ابنه في رحلة إلى هذا المتحف ليلقنه ألف درس ودرس أدناها ما يتعلق بالعلوم والأحياء، وهذا ما شاهدنا بعضه حيث رأينا بعض الأطفال مع آبائهم يشرحون لهم محتويات المتحف، بينما كانت الدهشة والمرح باديين على محياهم.

ركن التاريخ العربي!

ونحن نجول في زوايا المتحف ونستطلع خباياه، تحوّلت الدهشة إلى أمر عادي لتكرارها في كل خطوة نخطوها، غير أنها لم تكن كذلك عندما وصلنا إلى ركن التاريخ العربي والإسلامي. لقد وجدناه أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وإلى التشويه أقرب منه إلى العرض، إذ لا يعدو كونه ركناً جانبياً صغيراً، عرضت فيه بعض الأسلحة والأدوات القديمة وكتاب مخطوط مطوي في جلدته وآخر مفتوح على إحدى صفحاته حيث يبدو المضمون جلياً للقارئ بأنه على علاقة بالطلاسم والسحر.

ولسنا نعلم السبب وراء فقر المعروضات العربية والإسلامية، هل هو التقصير من قبل إدارة المتحف، أو عدم المبادرة من الجاليات العربية والمسلمة بدعم هذا الركن ورفده بالاقتراحات والقطع الثرية؟

العودة إلى الزمن الحقيقي

عندما كنّا نتنقل في صالات المتحف ونتجوَّل في ردهاته، كانت دهشتنا تنتقل من أعماق التاريخ والأدغال التي نمر بها إلى أهلينا في المملكة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كانت الصور المنتقاة التي نلتقطها ونرسلها إليهم مباشرة تدهشهم فيظنون أننا نزور إحدى الغابات أو أننا نستخدم آلة الزمن التي تركض بنا إلى الماضي السحيق، فقد كانت الصور تضج بالحياة من واقع المجسمات التي نحتت بعناية مجسدة الطبيعة، حتى لا تكاد تميّز بينها وبين الحيوانات المحنطة، أو حتى تلك الحقيقية التي يمكن أن تلتقطها آلة تصوير فوتوغرافي عالية الدقة.

لم يكن الوقت كافياً أبداً لكي نستقصي كل القاعات ونقف عند مفاصل التاريخ، وكان لا بد لنا أن نسلك طريقاً يعود بنا إلى الواقع، فاتخذنا من سوق الهدايا جسر عبور، حيث ولجناه لنلتقط بعض التذكارات ومنها بعض لعب الأطفال ذات العلاقة بمحتوى المتحف، ونماذج عن عقود من المعادن يعود عمرها إلى ملايين السنين في هذه المعمورة.

الخط الزمني لتاريخ المتحف

1869: ألبرت سميث، طالب متخصص في عالم الحيوان في جامعة هارفارد، ينجح في تقديم اقتراحه لإنشاء متحف للتاريخ الطبيعي في مدينة نيويورك. وقد تم توقيع قانون تأسيسه في السادس من أبريل في العام نفسه من قِبَل حاكم نيويورك آنذاك، جون هوفمان.
1871: المتحف يقدِّم أول مجموعة من المعروضات لأول مرة في حديقة أرسنال الوسطى، المقر الأصلي للمتحف على الجانب الشرقي من سنترال بارك.
1872: نمو المتحف يبلغ حداً استدعى من إدارته تأمين مساحة من الأرض على ميدان مانهاتن لبناء منشأة أكبر.
1874: الرئيس الأمريكي يوليسيس غرانت يضع حجر الأساس لبناء المتحف الأول.
1877: الرئيس الأمريكي روثرفورد هايز يفتتح المبنى الأول وسط حفلٍ كبيرٍ في المدينة.
1880: تطوير أول برنامج تعليمي رسمي لمدارس نيويورك.
1881: منذ هذا التاريخ، شهد المتحف أيامه الذهبية، إذ شارك في حملات اكتشاف القطب الشمالي، واستكشاف مناطق جديدة في سيبيريا، واجتياز منغوليا وصحراء جوبي، وكذلك اختراق أكثف غابات الكونغو، ومناطق متفرقة في كل القارات على الكرة الأرضية.
1896: افتتاح قاعة هنود الساحل الشمالي الغربي في الطابق الأول.
1903: المتحف يستجيب لمدارس نيويورك ويقدِّم دورات بقروض قصيرة الأجل لدراسة عينات اللافقاريات والطيور.
1935: تم افتتاح القبة السماوية لمجال (هايدن) الكوني.
1954: البدء بتوفير أجهزة الشرح الصوتية في المتحف.
1957: توثيق أكثر من 7.6 مليون قطعة وعينة في المتحف، ليحقق رقماً قياسياً عالمياً كأكبر عدد من الآثار تحت سقف واحد.
2001: أسَّسَ المتحف معهداً لدراسات علم الجينوم المقارن (أحد فروع علم الوراثة)، وكذلك التدريب على علم الجينوم المقارن غير البشري.
2004: المتحف يثبِّت محطة رصد زلازل جديدة في قاعة غوتسمان لكوكب الأرض.
2006: المرة الأولى التي يحصل فيها متحف أمريكي على صلاحية لمنح درجة الدكتوراة.
2009: إكمال المشروع الكبير لتجديد وترميم المتحف.
2010: المتحف يقدِّم برنامج «مستكشف المتحف»، وهو برنامج للأجهزة الذكية يوفر للزائرين معرفة الاتجاهات خطوة بخطوة داخل القاعات.
2013: باحثون في المتحف ينضمون إلى فريق دولي يستخدم أكبر مجموعة بيانات في العالم من الصفات الوراثية والمادية لإعادة بناء جيل من الثدييات المشيمية.

"ليلة في المتحف"

الذين شاهدوا فِلم «ليلة في المتحف» (2006م)، وقد عرضته الفضائيات العربية أكثر من مرة، اطلعوا عرضاً على حفنة صغيرة من معروضات المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي.

فالفِلم الذي يروي قصة حارس ليلي في المتحف يفاجأ بأن الحياة تدب ليلاً في المعروضات الجامدة من مجسمات وكائنات محنطة، وقام ببطولته بن ستيلر، وتم تصوير كثير من مشاهده في أروقة هذا المتحف. كما أُسند إلى الممثل المعروف روبن وليامز دور مجسم الرئيس روزفلت الذي تدب فيه الحياة ليلاً.

لقيت هذه الكوميديا نجاحاً عالمياً كبيراً دفع إلى إنتاج فِلمين آخرين على غراره تقريباً، هما «ليلة في المتحف، معركة سميثونيان» (2009م) و«ليلة في المتحف، سر القبر» (2014م).

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية