من الأسئلة التي تتردَّد على كثير من الأطفال بعد حضور حصة العلوم عن حالات المادة الثلاث: هل هناك حالات أُخرى لم تكتشف بعد؟ وما قد لا يدركه الطفل هو أن السؤال نفسه هو من محاور النقاش الأساسية في مؤتمرات العلوم التي تضم أساتذة حازوا جائزة نوبل في الفيزياء الحديثة!

خلال العقدين الماضيين، نوقش عديد من الحالات الجديدة للمواد. منها البلازما، التي ليست إلا غازاً مؤيّناً سُمح له بأن يتقلد وسام ”الحالة الرابعة“، لكونه يستجيب للمجالات المغناطيسية ويوصل الكهرباء، وإن اعتبر حالة كيميائية استثنائية للغاز. وهناك أيضاً متكاثفات بوز-أينشتاين، التي تسمح للإلكترونات بشغل الحيز نفسه من الفراغ عند درجات حرارة متناهية في القرب من الصفر المطلق. هذه الحالة، على غرار سابقتها، أشبه بحالة شديدة في الصلابة.

لكن ثمة حالة معينة، قد تمثل حالة رابعة للمادة، وهي عكس سابقاتها، قد تكون لها استخدامات في الحياة اليومية عما قريب، وتعتمد في طريقة عملها على أكبر ظاهرة فيزيائية حيَّرت العقول منذ عشرينيات القرن الماضي ولم تفسر بعد!

فقد تمكن فيزيائيون في جامعة "بيركلي" في مطلع العام الماضي 2017 من صنع مادة بلّورية في التنظيم الذري، تستمر أنويتها في الاهتزاز بشكل منتظم ومتزامن مهما انخفضت درجة حرارتها وإن وصلت إلى الصفر المطلق، ودون الحاجة لأي مصدر طاقة خارجية مستمرة. قد يكون هناك من يشبّه هذه البلورة بمادة هلامية أزلية التحور والتشكّل، ولكن الغريب حقاً في هذا الاكتشاف هو أنه (إن صحت جميع حيثياته) يشكِّل دليلاً قاطعاً على إمكانية خلق حالة لاتوازن ذاتية التكرار في المادة. وتُعد هذه الحالة مسماراَ في نعش مبدأ التناظر الزمني في الفيزياء، الذي ينص على أن قوانين القوى والحركة لا تتغير مع الزمن، والذي تستوفيه جميع قوانين الفيزياء الحركية والكهرومغناطيسية الكلاسيكية والحديثة. فهذه البلّورة الزمنية تتعرض لاهتزازات صغيرة تتغير اتجاهاتها مع الزمن، ولكن ذلك لا يعود إلى وجود قوى خارجية متغيرة مع الزمن، وإنما فقط نتيجة لوضعية وموقع ذرات هذه البلّورة بين بعضها البعض، ونتيجة لعلاقة غريبة تربط بين بعض هذه الذرات تعرف بالتشابك الكمي.

فما هو التشابك الكمي؟

إنه بلا شك أغرب ما تنبأ به علم فيزياء الكم في ثلاثينيات القرن الماضي، وتمت ملاحظته مخبرياً في الثمانينيات.

يقرّ التشابك الكمي أنه يمكن تحت ظروف معينة لجسيمين أن يكونا متشابكين كمياً، حيث إن أي تغيير في الحالة الكمية لأحد الجسيمين يتبعه تغيير في الحالة الكمية نفسها للجسيم الآخر، ولو كانا منفصلين عن بعضهما بعضاً بمسافات فلكية! لم يستوعب الفيزيائيون هذا المبدأ، بل وهاجمه أمثال أينشتاين، ربما لكون هذا المبدأ يبدو متعارضاً مع نظريته في النسبية الخاصة. ولكن الأدهى من ذلك، أنه يتعارض مع مسلّمات يفترض فيها أن تكون بديهية، أهمها مبدأ السببية، الذي ينص على أن السبب لا بد أن يسبق الأثر زمنياً. بينما نرى أن التشابك الكمي يؤكد أن الأثر ينتقل تلقائياً وفوراً إلى الجسيم الآخر، ربما عبر بُعد خامس لا يعترف بمرور الزمن، وهي ثيمة أقرب إلى عوالم الخيال العلمي، لكنها تبدو أقرب للواقع في ظل الإمكانات التي تبشر بها بلّورات الزمن هذه.

فلو افترضنا (مع اعترافنا بأن هذا المثال مبسط جداً) أن البلورة هي عبارة عن خط مستقيم من الذرات في بعد أُحادي، وأن كل ذرتين منفصلتين عن بعضهما بعشر ذرات هما متشابكتان كمياً، فإن أي تغيير في الحالة الكمية لأحدهما (اتجاه الدوران) سيغير الآخر تلقائياً، بينما تحتاج الحركة المغناطيسية الناتجة عن هذا التغيير أن تمر بالعشر ذرات قبل أن تصيب الذرة المتشابكة، ولكن تلك الذرة قد بدأت بالاهتزاز من قبل ذلك بسبب مبدأ التشابك، مما يعزز من قوة الاضطراب في الذرات، ويعود ليؤثر كمياً على الذرة الأساسية، وبتتبع المعادلات الكمية يمكن الاستنتاج أنه تحت ظروف معينة سيستمر هذا الاضطراب الذري للأبد، في حالة لا توازن مصطنعة.

ولكن يبقى السؤال: هل تُعد هذه حالة جديدة للمادة؟ نظرياً على الأقل، يمكننا أن نصنع بلّورة زمن تهتز في درجات حرارة تمكننا من لمسها. وقد نستطيع أن نصنع بلورات بأحجام كبيرة تمكننا من اختبار إن كانت مختلفة عن كل المواد التي واجهناها في حياتنا، بعكس المتكاثفات والبلازما. مع عدم ترجيح كون إحساسنا بهذه المادة مختلفاً عن تناول مادة صلبة عادية. فالاهتزازات غالباً ستكون صغيرة جداً بحيث لا تُلاحظ بالعين أو المجهر. كما أن كونها لا تخسر هذه الطاقة الاهتزازية لا يتنافى مع قدرتها على أن تمتص أو تطرد طاقة إضافية. وبالتالي فهي ليست بلورة تحتفظ بدرجة حرارة ثابتة مهما كان المحيط. كما أن تركيبها الذري ما يزال مشابهاً للذرات في الحالات الثلاث المعروفة.

أدقّ جهاز لحساب الزمن

إذاً فما المثير في هذه البلّورة؟ بغض النظر عن أن بإمكانها استعراض أعقد الظواهر الكمية خارج إطار المختبر، فإن هذه البلّورات هي عبارة عن قلب نابض ذي تردد يعتمد كلياً على تشكيلتها الذرية، ولا تتأثر بالحرارة أو أية عوامل خارجية أُخرى. وقد يكون بالإمكان استخدامها لتنظيم تردّد الحاسبات الشخصية، مما سيزيد في أعمارها الافتراضية. كما أن دقة هذا التردّد وعدم تأثره بالعوامل الخارجية يجعلانه أدق جهاز لحساب الزمن، ولعل التعريف الحالي لوحدة ”الثانية“ بحاجة إلى تجديد باستخدام خصائص هذه البلّورة. بالإضافة إلى ذلك، لو كان بالإمكان تغيير خصائص هذه المادة بحيث يمكن إيقاف هذا الاهتزاز، ولو لحظياً، لتمكنا من صنع وحدات ذاكرة حاسوبية لا تتطلب دورات لإعادة شحن كما هو الحال الآن، ولكانت هذه الوحدات عالية الكثافة لتحمل آلاف كميات المعلومات التي تحملها كتلة مماثلة من السيليكون، وهذا سيحل لغزاً كبيراً في تطوير وحدات الحوسبة الكمية.

وهكذا، فبعد أن كان علم فيزياء المواد يُعد تخصص الفقراء منذ أقل من عقدين من الزمان، نراه الآن يتربع على أعلى المناصب الواعدة بتطوير ملحوظ في السنوات المقبلة في التقنية المعرفية، ويعرفنا على عدد كبير من خصائص المواد الذي ما كنا لنراها في الطبيعة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية