الحديث عن التطور العلمي والتقني، يعني أن العلم سبب جزئي قادر على وصف الحالة الراهنة، إضافة إلى أنه مصدر لإيجاد الحلول، وسنشهد مجالات جديدة في حركة مفترضة من التوازن بين وجود الإشكالات والنقد العام والاجتماعي في سياق مواجهة المشكلات ما قبل حدوثها أو في أثنائها وطرق معالجتها، وهذا قد يظهر أشكالا من التناقض العملي برغم وجود التطور العلمي والتقني بوجه عام.
لو انطلقنا من التمييز بين تحديث الموروث أو التقليد وتحديث المجتمع ككل كمجتمع صناعي، سنستطيع استخلاص أبنية متميزة في مجال العلم والممارسة والرأي العام، فالعلموية الأولية تكتسب "ديناميتها" من التعارض بين التقليد والحداثة، وهذا التحديد لا بد منه في وجود حركة مزدوجة، وأعني "تعميم الشكل داخل العلوم واستخدام صارم للنتائج العلمية في علاقتها مع الخارج"، بينما في لحظة التطبيق العملي ستجد العلوم نفسها في مواجهة مع ماضيها الخاص، ومع حاضرها المموضع، على أن هذه العلوم ليست مصدرا للحلول فقط، بل قد تكون مصدرا للمشاكل في ذاتها، فأصبح العلم أكثر ضرورة حين بدأ موضوع الاحتكار العلمي على المعرفة بالتلاشي، وكان ذلك نتيجة نجاح تمايز الطموحات العلمية، ونتاج انعكاس التطور العلمي والتقني في سياق المجازفة، فالعلم يطبق قوة الشك وفق أسس منهجية، أمام تراجع أدعياء المعرفة أمام قابلية وقوع أي خطأ محتمل.
لم تعد قواعد التحقق المنهجي كافية للوصول إلى نتيجة مع هذا التعقيد الشديد في المعرفة الافتراضية، حتى معايير الاستبدال مثل السمعة، ونمط المطبوعة، والإطار المؤسساتي وغيرها، لم تعد تفي بالغرض، وانتهى الأمر دون اليقين النابع من العلم بوجود تأثيره وعلاقته على المجال الخارجي، وتحويل المرسل والمتلقي للنتائج العلمية في مجالات السياسة والاقتصاد والرأي العام إلى مشاركين فاعلين في الإنتاج في سيرورة التعريف العلمي الاجتماعي، ويمكن في كل الحالات إعادة دمجها بطرق جديدة للتوصل إلى صورة جديدة نافعة، بدلا من التلاعب بها وجعل الواحد منها مقابلا للآخر، وذلك بفتح المجال أمام إمكانات تأثير وفعل جديدة داخل مجال الإنتاج وباستعمال النتائج العلمية، وسيعد هذا تطورا مزدوجا، إذا سمح للممارسة الاجتماعية بتحرير نفسها من العلم، بواسطة العلم أيضا، وكوسيلة للحماية من وجهات النظر المؤسسة اجتماعيا على عكس الاتجاهات العلمية الصرفة وتحويرها، وذلك بإثبات قابلية العقائد الجديدة للجدوى في أي مجال ينعكس اجتماعيا بالنفع.

نقلاً عن صحيفة "الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.