"أربطة الحجاز" تصارع النسيان بعد 300 عام من العطاء
مع بدايات القرن الماضي، ظهرت "الأربطة" كواحدة من أهم المشاريع الخيرية التي عرفتها منطقة الحجاز، حيث نشط كثير من المحسنين ورجال الأعمال آنذاك في تأسيس مساكن خيرية، مثلت غوثاً للفقراء والمحتاجين القادمين من كل حدب وصوب، لتصبح لاحقا أحد أهم مظاهر التكافل الاجتماعي التي تميزت بها مدن مكة والمدينة وجدة.
وفي الوقت الذي تشير فيه الروايات التاريخية إلى أن تلك الأربطة بدأت في الظهور منذ 300 سنة، تنتشر هذه الأربطة داخل النسيج العمراني للمدن، وقد صممت معماريا بتصميم مقارب للمدارس القديمة التي احتوت على فناء مفتوح أحيط بممرات مغطاة تنفتح عليها مجموعة من الغرف والحجرات، وكانت تتواجد في مراكز المدن، فيما كان بعضها يتمركز حول المسجد الحرام والمسجد النبوي، لكن جزء كبير منها أزيل بفعل التوسعات، هذا وتتنوع اختصاصات هذه الأربطة، فمنها ما خصص لإسكان الفقراء من الأرامل، ومنها ما خصص لإسكان الطلاب الوافدين إلى مكة والمدينة وأخرى تخصصت في إسكان الزوار والحجاج.
أوضح الباحث الاجتماعي عادل صالح، أن الأربطة كانت مؤسسات أهلية تعمل وفق أنظمة إجرائية، ابتداء باختيار الفئة المستهدفة والذين غالبا ما يكونون من الفقراء ومن لا عائل لهم، وانتهاء بشروط السكن التي تشترط التعرف على ظروفه الاجتماعية والصحية ووضعه القانوني والتأكد من سلوكه، مشيرا إلى أن الأربطة عززت التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، إضافة إلى دورها البارز في الجوانب العلمية، حيث كانت تقام فيها حلقات علمية موسعة يحضرها العلماء وطلاب العلم، كما كانت مأوىً للحجاج والمعتمرين وعابري السبيل.
وقال صالح لـ"العربية.نت": "الأربطة بدأ تأثيرها يخف في الآونة الأخيرة بسبب عدم قدرتها على الصمود، حيث تعاني بيوتها من الإهمال لعدم قدرة أصحابها على ترميمها، فضلا عن عزوف الجيل الجديد من المحسنين ورجال الأعمال عن إيقاف أربطة جديدة، حيث لم يعد هذا المشروع الخيري يجد قبولا من الراغبين في وقف أعمال خيرية، وهو ما خلق فجوة بين العرض والطلب، إذ إن هناك نقصا شديدا في الأربطة رغم الحاجة الماسة لدى الكثير من الأسر الفقيرة لمن يؤمن لهم مسكنا دون مقابل".
من جهته، قال عمر الشريف، أحد أعيان جدة، إن واقع اﻷربطة الخيرية أصبح مزعجا للغاية، حيث أصاب بيوتها العطب جراء عدم قدرة القائمين على نظارتها على ترميمها.
وأضاف لـ"العربية.نت": "إنها تحتاج إلى أعمال دهانات وتبليط وترميم ومعالجة تسربات المياه وصيانة شاملة. تحولت اليوم إلى دور آيلة للسقوط وتحتاج إلى وقف اجتماعي جادة من رجال الإعمال والمؤسسات الرسمية لإعادة الثقة في هذه الأربطة باعتبارها ثروة اقتصادية واجتماعية كبرى".