تركز دول العالم على التصدي لقضايا البطالة والأجور، وتوليها اهتماما بالغا نظرا لحساسيتها لمختلف الشرائح السكانية. فحل معضلة البطالة وتحسين الأجور يسهم بشكل فعال في خفض معدلات العوز والفقر، ويزيد عدالة توزيع الدخل، ما يدعم السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي. ويلعب مستوى الأجور ونموها الدور الأبرز في رفع مستويات المعيشة لسكان أي بلد في العالم. وتعاني قوة العمل الوطنية في المملكة ارتفاع معدلات البطالة بل وبقاءها فوق مستوى 10 في المائة لفترة طويلة من الزمن كما تشير إليه بيانات القوى العاملة. وقد بلغ معدل بطالة القوى العاملة الوطنية 12.1 في المائة في الربع الثالث من عام 2016. وللتصدي لمعضلة البطالة، وضعت المملكة هدفا طموحا لخفض معدلات البطالة إلى 7 في المائة في عام 2030. وقد ظهرت بعض التقديرات لعدد المشتغلين الذين ينبغي إضافتهم لخفض البطالة إلى 7 في المائة في عام 2030. للحصول على تقدير جيد لعدد الوظائف اللازمة لتحقيق الهدف المنشود ينبغي وضع تقديرات واقعية لحجم القوى العاملة الوطنية المتوقع في عام 2030. ويتطلب الحصول على هذه التقديرات ضرورة أن تعكس التغيرات السكانية خلال السنوات الماضية والمقبلة، وأن تنسجم مع تطورات القوى العاملة التاريخية. وتوفر العلاقات بين حجم القوى العاملة الماضية وحجم ومتغيرات الشرائح السكانية، مؤشرات قياس معقولة لحجم القوى العاملة المستقبلية. وبعد تقدير حجم القوى العاملة في عام 2030 يمكن وبكل سهولة تقدير حجم القوى العاملة المشتغلة الإضافية اللازم للوصول إلى الهدف المنشود. تشير بيانات القوى العاملة إلى نمو قوي لحجم القوى العاملة الوطنية خلال الـ16 سنة الماضية، حيث ارتفع حجم القوى العاملة السعودية من 2.8 مليون شخص في عام 1999 إلى نحو 5.6 مليون شخص في عام 2015، وبمعدل نمو سنوي يصل إلى 4.4 في المائة في العام خلال الفترة. وجاء النمو القوي في حجم القوى العاملة لسببين مهمين وهما النمو السكاني الطبيعي القوي خلال الفترة وازدياد تدفق القوى العاملة النسائية إلى سوق العمل. وازداد تدفق القوى العاملة النسائية الوطنية بسبب التحسن الكبير في مؤهلات النساء التعليمية، وفتح مجالات إضافية للعمل النسائي، والتغيرات الاجتماعية فيما يتعلق بعمل النساء ورغبة الأسر في تحسين أوضاعها المعيشية. وتشير بيانات القوى العاملة إلى نمو القوى العاملة النسائية بمعدل مرتفع بلغ نحو 7.1 في المائة خلال فترة الـ16 سنة 1999 -2015. وهذا المعدل يفوق كثيرا معدل تدفق الذكور إلى سوق العمل الذي بلغ نحو 3.8 في المائة خلال الفترة. من المتوقع استمرار زيادة معدلات تدفق النساء إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة، ولو افترضنا أن المعدل السنوي سيظل على حاله حتى سنة 2030 فإن هذا يعني تضاعف القوى النسائية بأكثر من مرتين ونصف عن مستوياتها عام 2015. ويتطلب خفض نسبة البطالة بين النساء إلى 7 في المائة في هذه الحالة ضرورة إضافة 2.4 مليون امرأة إلى إجمالي المشتغلات. أما تخفيض نسبة البطالة بين الذكور إلى 7 في المائة فيتطلب إضافة ثلاثة ملايين رجل إلى إجمالي المشتغلين إذا افترضنا بقاء معدل نمو القوى العاملة الرجالية على نفس معدله خلال الفترة 1999ــ2015. وعلى أساس هذه الفرضية فإن حجم قوى العمل الوطنية سيتجاوز 11 مليون شخص في عام 2013، ما يعني أن عدد المشتغلين السعوديين سيتضاعف خلال الفترة ويزداد بنحو 5.4 مليون شخص. قد تكون فرضية استمرار نمو معدل القوى العاملة على نفس معدلات فترة 1999-2015 أعلى مما سيحدث فعلا بسبب إمكانية حدوث تراجع في معدلات النمو السكانية. وقد حدث بعض التراجع خلال السنوات القليلة الماضية ولكن معدل النمو السكاني مازال مرتفعا. أما التراجعات في معدل النمو السكاني المستقبلية فلن تؤثر في سوق العمل في عام 2030، لأن المواليد خلال الـ15 عاما المقبلة لن يدخلوا سوق العمل في ذلك التاريخ. ويمكن اعتبار معدلات النمو التاريخية للقوى العاملة حدا أعلى لتوقعات حجم العمالة الوطنية والعمل على توفير فرص عمل كافية بقدر الإمكان لتجنب المفاجآت. وتؤيد عديد من المؤشرات السكانية كعدد الطلبة الذين تجاوز سبعة ملايين في الوقت الحالي "والذين سيدخل معظمهم إلى سوق العمل خلال الـ15 عاما المقبلة"، والتركيبة السكانية الشابة للسعوديين ارتفاع حجم القوى العاملة الوطنية بقوة خلال السنوات المقبلة. وحتى لو تراجعت معدلات تدفق القوى البشرية إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة فليس من المتوقع أن يكون التراجع كبيرا. ويمكن وضع توقعات أدق لحجم القوى العاملة الوطنية المتوقع من خلال دراسات أوسع ومتخصصة ومهنية. ومهما كانت توقعات الدراسات فإن حجم الزيادة المتوقعة في القوى العاملة الوطنية لن يقل عن أربعة ملايين شخص في عام 2030. وعلى العموم فإن النمو القوي للقوى الوطنية العاملة خلال الفترة المقبلة يتطلب ضرورة توفير ما بين أربعة وخمسة ملايين فرصة عمل إضافية مقبولة للمواطنين حتى 2030 لخفض معدلات البطالة إلى 7 في المائة. وأعتقد أن من الأفضل استهداف الحد الأعلى لحجم العمالة لتلافي أخطاء التقديرات، أما في حالة حدوث عجز في عرض العمالة مستقبلا فيمكن بسهولة سده بالعمالة المقيمة أو بالاستقدام.

نقلاً عن "الاقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.